استقبلتهم مدينة الأبيض وفتحت لهم أحياءها وأسواقها
الزيارة الأممية … نسف روايات التضليل
الوفد وقف على الأوضاع الإنسانية.. رأي العين
براون تؤكد الحاجة لدعم عاجل..تزايد أعداد النازحين
مراقبون: وجود أزمة إنسانية لا يعني الانهيار الأمني
مطالبات بحمل الإمارات على إيقاف دعم التمرّد ..إنهاء الحرب
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تأتي زيارة وفد الأمم المتحدة برئاسة الممثلة المقيمة في السودان “دنيس براون”، في توقيت كثرت فيه الروايات المتداولة عن اقتراب مدينة الأبيض من السقوط، لتقدم الزيارة رواية مختلفة، لم تُكتب عبر البيانات أو التصريحات، وإنما صاغتها حركة الوفد بين أحياء المدينة ولقاءاته الميدانية مع المسؤولين والمواطنين، في مشهد حمل أكثر من رسالة، إنسانية في ظاهرها، وسياسية وإعلامية في دلالاتها، فالوفد الأممي لم يكتف بعقد اجتماع مع حكومة ولاية شمال كردفان، وإنما اختار أن ينزل إلى الميدان، وأن يعاين الأوضاع بنفسه، وأن يقف على احتياجات السكان والخدمات الأساسية.
رسائل
ويجمع مراقبون على أن زيارة وفد الأمم المتحدة، تجاوزت الزيارة البروتوكولية أو المجاملة الدبلوماسية، وتكمن أهميتها في توقيت الزيارة بالغ الحساسية، حيث ظلت مدينة الأبيض خلال الأشهر الماضية هدفاً لسيل من الشائعات والتسريبات التي تحدثت مراراً عن قرب سقوطها في يد ميليشيا الدعم السريع المتمردة، وهي روايات أسهمت في إثارة القلق وسط المواطنين وألقت بظلالها على المشهد العام، غير أن الواقع الذي عكسته الزيارة بدا مختلفاً، إذ تمكَّن الوفد الأممي رفيع المستوى من الوصول إلى المدينة، والتنقل داخل أحيائها، والالتقاء بالسلطات المحلية، والوقوف على الخدمات، ما يمثل مؤشراً ميدانياً على وجود بيئة تسمح بالحركة الإنسانية والتنسيق المؤسسي، وهو ما يتعارض مع الصورة التي حاولت بعض الروايات ترسيخها عن المدينة، فمثل هذه الزيارات لا تُبنى على الانطباعات، وإنما على ترتيبات أمنية ولوجستية دقيقة، تسبقها دراسات وتقديرات تجريها الأمم المتحدة لضمان سلامة بعثاتها وفرقها الإنسانية.
تحديات
والواقع أن الرسالة التي حملتها زيارة الوفد الأممي لا تعني أن الأبيض تعيش أوضاعاً مثالية، بل على العكس، فقد كشفت اللقاءات التي جمعت والي شمال كردفان (عبد الخالق عبداللطيف) بالوفد الأممي عن حجم الضغوط التي تواجهها الولاية نتيجة موجات النزوح الكبيرة، وما ترتّب عليها من أعباء متزايدة على قطاعات الصحة والمياه والتعليم والخدمات الأساسية، ودعا الوالي الأمم المتحدة إلى توسيع تدخلاتها الإنسانية، مشيراً إلى حجم الاحتياجات والأضرار التي تعانيها ولايته، في تأكيد على أن الأبيض تواجه تحدياً إنسانياً متعاظماً يتطلب استجابة دولية عاجلة، ومن هنا فإن وجود أزمة إنسانية لا يعني بالضرورة انهياراً أمنياً، كما أن الحاجة إلى المساعدات لا تعني صحة الروايات التي تتحدث عن فقدان السيطرة على المدينة.
النزول إلى الأحياء
ويرى خبراء أن اختيار الممثلة المقيمة للأمم المتحدة “دنيس براون”، أن تبدأ مهمتها من الشارع، لا من قاعات الاجتماعات، إنما يعكس منهج الأمم المتحدة القائم على التحقّق المباشر من احتياجات السكان قبل صياغة برامج التدخل، فالجولات الميدانية تمثل بالنسبة للمنظمات الدولية المصدر الأكثر موثوقية لتحديد الأولويات، سواء تعلق الأمر بالإيواء أو المياه أو الصحة أو الأمن الغذائي، كما تمنح هذه الجولات الميدانية صورة أقرب إلى الواقع من التقارير المتداولة أو المعلومات المنقولة عن بُعد.
ضغط النزوح
ويقول لسان الحال، إن مدينة الأبيض قد تحولت خلال الأشهر الماضية، إلى واحدة من أهم المدن التي تستقبل النازحين الفارين من مناطق القتال، في غرب كردفان ودارفور، ما جعلها تتحمل أعباءًا إضافية على مختلف الخدمات، وأوجد تحديات كبيرة أمام السلطات المحلية والمنظمات العاملة في المجال الإنساني، لذلك فإن الزيارة الأممية جاءت أيضاً في إطار تقييم قدرة المدينة على الاستمرار في استيعاب هذه الأعداد، وبحث السبل الكفيلة بتعزيز الاستجابة الإنسانية قبل تفاقم الأوضاع.
روايات التضليل
ووصف الكاتب الصحفي عثمان يونس زيارة وفد الأمم المتحدة إلى الأبيض بقيادة الممثل المقيم في السودان (دينيس براون)، بالاختبار العملي لكل ما ظل يُبث عبر الشاشات والمنصات من روايات عن حصار خانق وانهيار إنساني في المدينة، وقال يونس في إفادته للكرامة إن الواقع الذي وقف عليه الزائرون كان مختلفاً تماماً، حيث شاهدوا مدينة تنبض بالحياة، وأسواقاً مزدحمة، وحركة تجارية نشطة، ومواطنين متمسكين بمدينتهم ويمارسون حياتهم اليومية بإصرار، مبيناً أن الأشهر الماضية شهدت ترويجاً متكرراً لصورة قاتمة عن الأبيض، وتحذيرات من هجوم وشيك ودعوات للمدنيين لمغادرتها عبر ما سُمي بالممرات الآمنة، مؤكداً أن التعافي الذي ساد المدينة، والعمل الكبير الذي تم في محطات المياه وإعادة الكهرباء، قلل من ضغط الإعلام المضاد، وغرس الطمأنينة في نفوس الوفد الأممي، قبل أن يضع الروايات المتداولة في مواجهة مباشرة مع الواقع، وذكر يونس أن مسؤولي الأمم المتحدة أتيحت لهم فرصة مشاهدة الأبيض بعيداً عن التقارير المكتبية، حيث اطلعوا على استمرار النشاط الاقتصادي وتمسك المواطنين بمدينتهم، مبيناً أن الواقع يعكس قدرة هذه المدينة على الصمود والتعافي رغم الظروف الاستثنائية التي فرضتها الحرب، ويؤكد أن الأبيض لم تفقد نبضها”، ولفت إلى أن حكومة ولاية شمال كردفان أحسنت استثمار الزيارة، فلم تكتف بعرض الواقع الأمني والخدمي، بل قدمت صورة متكاملة عن كردفان أرضاً وإنساناً وإنتاجاً، وتابع: “كانت منتجات الولاية حاضرة لتروي قصة إقليم غني بموارده، من اللالوب والتبلدي الكركدي والعرديب والنبق والكول، إلى السمن والجبنة وأم جنقر والدامرقة والدوم، في تأكيد على تمسك الأهالي بأرضهم رغم كل التحديات.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن نجاح زيارة وفد الأمم المتحدة إلى مدينة الأبيض، ينبغي ألا يقاس بعدد الاجتماعات أو المواقع التي زارها الوفد، وإنما بما ستسفر عنه من مكاسب متمثّلة في حث الإمارات على إيقاف دعمها لميليشيا الدعم السريع بما يعجل بإنهاء الحرب، وإنهاء معاناة السودانيين وخاصة في كردفان ودارفور، هذا فضلاً عن انعكاس الزيارة علي زيادة حجم المساعدات، ودعم الخدمات الأساسية، وتعزيز برامج الإغاثة، بما يمكّن مدينة الأبيض من مواجهة أعباء النزوح والحفاظ على استقرارها الإنساني، وفي المقابل، فإن الزيارة نفسها تظل شاهداً ميدانياً على أن الوقائع تُبنى بالمشاهدة المباشرة، لا بالشائعات، وأن تقييم أوضاع المدن ينبغي أن يستند إلى الحقائق على الأرض، لا إلى الروايات المضلّلة، ونشر الشائعات التي تتغيّر بتغيّر المنصات.






