حاطب ليل
د.عبد اللطيف البوني
“سد النهضة …كيس جديد ولا تنجيد؟”
(1)
في ظني أن أكثر قضية وجودية سكب فيها السودانيون جهداً ذهنيا هي قضية سد النهضة الإثيوبي …لاحظ السد إثيوبي والكلام سوداني …لقد تباينت فيه وجهات النظر بصورة حادة ..لدرجة الاستقطاب إذ تلاشت أو كادت أن تتلاشى المنطقة الوسطى التي تسمح بأي تلاقي بين وجهتي النظر المتباينتين..فهناك من يراه أنه في مصلحة السودان لدرجة القول إن السودان يستفيد منه أكثر من إثيوبيا …لابل إنه سد سوداني أقيم في أثيوبيا …وهناك من يراه أنه ليس في مصلحة السودان لا بل مهدّد وجودي للسودان وادإنه يمكن أن يقضي على السودان غرقاً أو حرقاً …بعبارة أخرى إنه يمكن لإثيوبيا أن تمسك عليها كل إيرادات النيل الأزرق ولمدة خمسة سنوات متتالية لأن سعة بحيرة السد “٧٦” مليار متر مكعب ..وفي نفس الوقت اذا فتحت إثيوبيا كل توربينات السد سوف نجد حديد سدي الرصيرص وسنار في بحيرة ناصر أمام السد العالي..
(2)
ليت الخلاف بين السودانيين حول سد النهضة كان فكرياً أو سياسياً محضاً… لكنه للأسف كان فنياً إذ اختلف حوله علماء الجيولوجيا والمياه السودانيين اختلافاً بيناً …فمهندس مثل كمال علي الذي تولى وزارة الري في عهدين سياسيين مختلفين وصف السد بأنه مهدّد وجودي للسودان وبقيامه يكون السودان قد سلم رقبته لإثيوبيا ..وعلى ذات المنوال نسج علماء اخرون… منهم على سبيل المثال لا الحصر بروفسير أحمد عبد الرحمن العاقب ومحمد أحمد شداد وآخرون … أما الذين أيدوا قيام السد لأنهم يرون إنه من مصلحة السودان بروفسير سيف الدين حمد وخضر قسم السيد وآخرون …وكلا الفريقين أوجد حججاً لا حصر لها تدعم وجهة نظره …ثمة ملاحظة شكلية وهي إن معظم المعارضين للسد كانوا من قدامى المهندسين بينما المؤيدين يغلب عليهم عنصر الشباب …أما من أهل القانون المتخصّصين في قوانين المياه الدولية والمعارضين لقيام السد الدكتور أحمد المفتي وعلى النقيض منه نجد الدكتور سلمان محمد أحمد سلمان ..وكلا الرجلين قد سكب جهداً كبيراً متجاوزاً تخصصه في دعم وجهة نظره…
كانت حصيلة ذلك الجدل الذي استمر طويلاً أن تبلورت وجهة نظر سودانية ثالثة خلاصتها إن للسد فوائد بالنسبة للسودان وفي نفس الوقت له مضار بعبارة أخرى إن فيه فرص وفيه مهدّدات …فتحويل المهدّدات إلى فرص أو الفرص الي مهدّدات يتوقف على شطارة السودانيين وفهمهم للواقع المحلي والاقليمي والدولي ..كاد الأمر أن يصوّر إلى أنه بطيخة مقفولة تُترك للمستقبل يا صابت يا خابت. ..هذا مع بقاء وجهتى النظر المتطرّفتين على ما هما عليه …
(3)
حسمت حكومات الإنقاذ في طاشرات القرن الماضي الأمر وأيدت قيام سد النهضة تأييداً قوياً … لا بل سعت لإقناع مصر والتي كانت رافضة للسد رفضاً بيناً لا لبس فيه .. بالموافقة عليه فكان اتفاق المبادئ في مارس ٢٠١٥م الذي وقعه الرؤساء البشير والسيسي وديسالين..ومن ثم اكتسب سد النهضة ..شرعيته القانونية والسياسية ، فزادت إثيوبيا من معدلات جهدها في بناء السد وفرغت منه في ٢٠٢٥ وامتلأت بحيرته وأقامت له احتفالاً عالمياً مهيباً مع مقاطعة سودانية مصرية واضحة …
أها قد يتساءل أحدنا “شن جدة على المخدة” ….”كيس جديد ولا تنجيد” ؟ فالإجابة الإثنين حدثا …
الكيس الجديد يتمثل في إنني قرأت للأستاذ الكاتب الكبير /مصطفى عبد العزيز البطل انه شاهد حلقة تلفزيونية تحدث فيها عالم الجيولوجيا والمياه المصري عباس شراقي قائلاً إن سد النهضة سد استراتيجي مصري في إثيوبيا …في حين أنني قرأت لذات العالم مقالات كثيرة من قبل يقول فيها إن سد النهضة مهدّد وجودي لمصر
… شراقي كان يتحدث من خلال قناة مصرية مع المذيع اللامع مجدي الجلاد على حسب وصف البطل.
أما التنجيد ..فقد انخفضت إيرادات النيل الأزرق في شهر يوليو انخفاضاً مريعاً… فهل حجزت بحيرة سد النهضة المياه أم أن هناك عوامل أخرى ؟…طبعاً مصر لن تتأثر بهذا الانخفاض الآن لديها تخزين قرني في بحيرة ناصر .
نواصل إن شاء الله ….






