داليا الياس تكتب: أقسى نضال

اندياح

داليا الياس

أقسى نضال

ليست الغربة مجرّد انتقال جغرافي من وطنٍ إلى آخر، ولا هي حكاية سفرٍ عابرة تُروى في جلسات الأصدقاء…هي تجربة وجودية كاملة، تعيد تشكيل الإنسان من الداخل، وتضعه في مواجهة مباشرة مع ذاته، ومع المعنى الحقيقي للإنتماء.
في اللحظة الأولى للرحيل، يبدو الأمر أشبه بمغامرة…. حقيبة ممتلئة بالأحلام، وعيون تتطلع إلى أفقٍ جديد، وقلبٌ يظن أنه قادر على التكيّف مع كل شيء.
لكن ما لا يدركه الكثيرون أن الغربة لا تبدأ عند الوصول، بل تبدأ حين يهدأ الضجيج… حين يجد الإنسان نفسه وحيداً أمام تفاصيل لا تشبهه، وأماكن لا تحفظ خطواته، ووجوه لا تعرف تاريخه.
هناك، في تلك اللحظة الصامتة، يبدأ الوطن في الظهور بشكلٍ مختلف…. لا يعود مجرد خريطة أو اسمٍ على جواز سفر، بل يتحول إلى ذاكرة حيّة، نابضة، تُرافقك أينما ذهبت…. تتسلل إليك في أبسط الأشياء… في رائحة طعامٍ تُذكّرك بمطبخ أمك، في لهجةٍ عابرة تسمعها صدفة، في أغنية قديمة تعيدك إلى زمنٍ كنت فيه أكثر طمأنينة.
وكأننا نكتشف متأخرين المعنى الحقيقي للوطن…فهو ليس المكان الذي نعيش فيه فقط، بل هو المكان الذي يعيش فيتا…. هو ذلك الإحساس العميق بالأمان، الذي لا يُصنع ولا يُستعار. هو العلاقات التي لا تحتاج إلى شرح، والوجوه التي تفهمك دون أن تتكلم، واللحظات الصغيرة التي لا تبدو مهمة… إلا حين نفتقدها.
في الغربة، يصبح الحنين رفيقًا دائماً… لا يطرق الباب، بل يدخل دون استئذان، ويجلس في القلب بثقلٍ لا يُحتمل. قد يختفي أحياناً وسط مشاغل الحياة، لكنه لا يرحل. يكفي أن تسمع اسم مدينتك، أو أن ترى صورةً لشارعٍ كنت تعبره يومياً حتى يعود إليك بكل قوته، كأنه يذكّرك بأن جزءًا منك لا يزال هناك… ينتظر.
ولأن الغربة ليست فقط حنيناً، فهي أيضاً صراع…. صراع بين ما كنت عليه، وما تحاول أن تكونه. بين لغتك الأولى، التي تحمل روحك، ولغةٍ جديدة تحاول أن تتقنها لتعيش، بين عاداتك التي تشكّلت عبر سنوات، وواقع يفرض عليك أن تتغير، في هذا الصراع، يكبر الإنسان، لكنه يفقد شيئاً من عفويته، من بساطته، من ذلك الشعور الخفيف بالحياة.
ومع مرور الوقت، يتعلم المغترب كيف يصنع لنفسه وطنًا مؤقتاً…. يتعلم كيف يزرع الألفة في أرضٍ غريبة، وكيف يبني صداقات جديدة، وكيف يخلق لنفسه مساحة من الطمأنينة. لكنه، مهما نجح في ذلك، يظل يحمل في داخله فراغاً لا يُملأ… فراغ الوطن.
اللافت في تجربة الغربة أنها تكشف للإنسان حقائق لم يكن يراها من قبل. تُعلّمه قيمة التفاصيل الصغيرة، وتجعله أكثر وعياً بجذوره، وأكثر تقديراً لما كان يملكه دون أن ينتبه، تُعيد ترتيب أولوياته، وتجعله يدرك أن بعض الأشياء، مهما ابتعد عنها، تظل جزءاً أصيلاً من تكوينه.
وفي المقابل، تمنحه الغربة قوةً من نوعٍ خاص. قوة الصبر، وقوة التحمّل، وقوة البدء من جديد. تعلّمه كيف يقف وحده، وكيف يواجه الحياة بإرادةٍ صلبة، وكيف يصنع لنفسه طريقًا في أماكن لم تكن يومًا ضمن أحلامه. لكنها، رغم كل ذلك، تبقى تجربة مُكلفة… ثمنها الشعور المستمر بأنك تنتمي إلى مكانٍ لا تعيش فيه، وتعيش في مكانٍ لا تنتمي إليه بالكامل.
وربما يكون أصعب ما في الغربة هو ذلك السؤال الصامت: أين الوطن الآن؟ هل هو هناك… حيث تركت قلبك وذكرياتك؟ أم هنا… حيث تحاول أن تبني حياة جديدة؟ أم أنه أصبح مزيجاً معقداً من الاثنين، لا يمكن فصله؟
في النهاية، لا تقدم الغربة إجابات واضحة، لكنها تترك في داخل الإنسان أثرًا لا يُمحى. تجعله أكثر عمقاً ، وأكثر حساسية، وأكثر قدرة على فهم معنى الإنتماء. لكنها، في الوقت نفسه، تتركه معلقاً بين مكانين… يحمل وطنه في قلبه، ويبحث عنه في كل مكان.
وهكذا، يبقى الوطن، مهما ابتعدنا عنه، هو الحلم الذي لا يبهت، والحنين الذي لا يهدأ، وتبقى الحقيقة المجرّدة…. أن لا شيء يُشبه الوطن… ولا شيء يُعوّضه…وفعلاً (الغربة أقسى نضال).
*تلويح:
(الما بلدك…مابتبقى البلد).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top