داليا الياس تكتب :هات يازمن!

اندياح

داليا الياس

هات يازمن!

في لحظةٍ هادئة…دون سابق إنذار…قد تُلقي الحياة بثقلها علينا… كأنها تختبر قدرتنا على الإحتمال، أو ربما تُعيد ترتيبنا من الداخل دون أن تستأذن… مصيبةٌ تتلوها أخرى… وخبرٌ حزين يعقبه ما هو أشد حزناً… حتى نظن—ولو لوهلة—أننا في سباقٍ مع الألم…أو في مواجهة مفتوحة مع فواجع لا ترحم.
والحقيقة التي لا نحب الاعتراف بها…هي أن الحياة لا تُمهلنا كثيراً لنستعد….و لا تُرسل إشعاراً قبل أن تُسقط علينا بعض أوجاعها… ولا تمنحنا فرصة كافية لالتقاط أنفاسنا بين ضربةٍ وأخرى….! لكن… وسط هذا كله، يظل السؤال الأهم: كيف نستقبل هذه المصائب؟
هل ننكسر؟ أم ننحني قليلاً… ثم نعود أقوى؟.
إن الصبر في معناه الحقيقي، ليس ذلك التغاضي البارد ولا الاستسلام الهادئ…بل هو مقاومة داخلية شرسة… تحدث في صمت… هو أن تشعر بالألم كاملاً… دون أن تسمح له أن يُعطّلك….أن تبكي… لكن لا تغرق في دموعك… أن تتعب… لكن لا تتوقف عن المسير…هو بالضرورة ليس ضعفاً…بل إنه أعلى درجات القوة حين تُمارسها دون ضجيج.
أما الصمود، فهو قرار… قرار يومي بأنك لن تسمح لما يحدث لك أن يهزمك أو يُغير قناعاتك… هو أن تُدرك أن ما تمر به، مهما كان قاسياً… ليس نهاية الطريق. وأن كل انكسارٍ فيك… يحمل بذرة إعادة تشكيل لتفاصيلك… بشكلٍ أكثر وعياً ونضجاً.
نعم، المصائب موجعة… ومُرهقة… وأحياناً غير مفهومة….لكنها—بطريقةٍ ما—تكشف لنا وجوهاً لم نكن نعرفها في أنفسنا… تُعرفنا على الأيادي التي يمكن أن نُمسك به حين نقترب من السقوط… ومن نتركه دون ندم.
تُعيد ترتيب أولوياتنا، وتُجرّدنا من الزيف… وتضعنا وجهاً لوجه أمام حقيقتنا وحقيقة من حولنا.
ليس المطلوب أن نكون أبطالاً خارقين… ولا أن نتظاهر بالقوة طوال الوقت… المطلوب فقط أن نُكمل المسير بكل رضاً … خطوةً بعد خطوة…. أن نؤمن—حتى في أضعف لحظاتنا—أن الفرج ليس وهماً، وأن الليل مهما طال، لا بد أن يُسلّمنا للفجر…وأن الله لايكلف نفساً إلا وسعها…وأن دوام الحال من المحال ولو بعد حين.
وفي كل مرة تُباغتنا فيها الحياة بمصيبة جديدة…علينا أن نتذكر… نحن لم نُخلق لنُهزم بسهولة…. في داخل كل واحد منا قدرة مُذهلة على النهوض ، حتى بعد أقسى السقطات.
فأصمد… واصبر… ليس لأن الحياة عادلة، بل لأنك أقوى مما تظن بفضل الله.
وهذا لا يعني أن تتجاهل الألم، ولا أن تدّعي القوة…. إن قوتك الحقيقية في أن تعيش الألم كما هو… بكل ثقله… دون أن تسمح له أن يسلبك نفسك…. هو أن تبكي في الليل… ثم تستيقظ في الصباح وتحاول من جديد…. هو أن تتآكل من الداخل… لكنك ترفض أن تنهار بالكامل.
وعليك دائماً أن تقول لنفسك (سأكمل… رغم كل شيء)… وأن ترفض أن تتحول إلى نسخة باهتة بسبب ما مررتِ به…عليم أن تؤمن بأن ما يحدث لك ليس هو النهاية على الإطلاق.
نعم…الحياة قاسية أحياناً… والزمن يجري بعجلاته فوق أرواحنا …يأخذ منا أشخاصاً… وأماناً… وسعادة… وراحة كنا نظنها دائمة.
تضعنا في مواقف لم نستعد لها، وتجبرنا على خوض معارك لم نخترها ولا نملك لها أسلحة مناسبة.
لكنها، في المقابل تعلمنا الكثير مما لم نكن نعرفه…وتكسبنا خبرات متراكمة…فتتساقط كل الأقنعة …حتى لا يبقى شيءٌ سوى نحن.
عليه …هات يازمن…تعال لتُعلّمنا كيف نقف وحدنا… وكيف ننهض دون سند… وكيف نُكمل حتى ونحن مرهقون.
*تلويح :
الدنيا ياما تعلّمك !.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top