د.عبد اللطيف البوني يكتب: من داخل القاهرة (٣)

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

من داخل القاهرة (٣)

(1)
في المقال الثاني من هذه السلسلة الذي نُشر يوم السبت الماضي قلت إن الكثير من السودانيين الذين رمت بهم الحرب الحالية إلى مصر كانوا يحملون لها صورة ذهنية سالبة …فالسؤال من أين أتت هذه الصورة ،هذا ما سأحاول الإجابة عليه متوكلاً على الله … تتلخّص هذه الصورة في أن مصر لديها مصالح في السودان تحوّلت إلى أطماع… وبالتالي سياستها الثابتة تجاه السودان تقوم على استتباع السودان لها… وجعله حديقة خلفية تخصها وحدها… وذلك بغزوه مباشرة كما حدث من قبل أو السيطرة علي متخذي القرار فيه عبر أي حكومة تحكمه… وأن ذلك انعكس على المواطن المصري فأخذ ينظر للمواطن السوداني باستعلاء …قبل محاولة التعرف على من أين اتت هذه الصورة دعونا نسأل ولا نتساءل سؤال محوري هل حكمت مصر السودان الحديث؟ هل غزت مصر السودان؟ المتفق عليه أن السودان الحديث ظهر في ١٨٢١ أي بغزو محمد علي باشا للسودان.. رغم أن المصريين يعتبرون محمد علي باشا هو باني نهضتهم الحديثة ،إن محمد علي باشا ليس مصرياً بل دخلها غازياً وبعدها غزا السودان من أجل المال والرجال ومن السودان اتجه للجزيرة العربية ليؤسس امبراطوريته التي كان يحلم بها… جيش محمد علي الذي غزا السودان كان به مصريون وسودانيون… لا بل نفر مقدر من الزعماء السودانيين كانوا قد استجدوا محمد علي ليغزو السودان نكاية في الحكم السناري… حكم محمد علي باشا السودان بقوة الحديد والنار وسام السودانيين سوء العذاب ومع ذلك في رحلته للسودان عام ١٨٤٨م..جمع أعيان البلد في فازغولي وقال لهم أحمدوا ربكم أن الله بعثني لكم لكي أخرجكم من ظلمات الجهل إلى أنوار الحضارة… كما فعلت مع اخوانكم الجهلاء الظلاميون الذين يسكنون في شمال الوادي.. الإشارة هنا طبعا للمصريين… رحم الله استاذنا العظيم الراحل البروفسور حسن أحمد إبراهيم الذي أصدر كتاباً وثائقياً هاماً بعنوان رحلة محمد علي للسودان ١٨٤٨م ..والذي كانت خلاصته أن الباشا قد رجع من تلك الرحلة بخيبة امل كبيرة في السودان إذ كان يظن أن السودان سيمكنه من أن يكون نابليون زمانه .
(2)
الغزوة الثانية للسودان أيضا جاءت من مصر ولكن بتدبير بريطاني وتمويل من خزينة الدولة المصرية وبقيادة كتشنر وعدد كبير من الضباط الإنجليز وقليل من الضباط المصريين أما الجيش فقد كان قوامه كله سودانيين.. لا ننسى أن كثير من الزعماء السودانيين الذين ذهبوا لمصر الدولة متضرعين لها أن تخلصهم من الحكم المهدوي جاءوا في معية حملة كتشنر وحشدوا الرأي العام للحكم الجديد…….
نظرياً بعد نهاية الدولة المهدية دخل السودان في فترة الحكم الثنائي الانجليزي المصري ولكن عملياً كان حكماً أحادياً إنجليزياً بامتياز لابل نجح الانجليز في فصم كل الروابط التي يمكن أن تجمع بين القطرين….. خلاصة قولنا هنا أن أي كلام عن استعمار مصر للسودان يدخل في باب التدليس التاريخي… فالإنسان السوداني لم يتعرّض في تاريخه الحديث لكرباج من إنسان مصري أما أن الغزو جاء من جهة مصر فهذا يؤكد أن الوحدة الجغرافية للبلدين قام عليها عمل سياسي كبير ، لا وبل يمكن أن يقوم عليها مستقبلا انها (الجيوبولتيك).. وقولوا لي بربكم لماذا لم يتجه الإمام المهدي وخليفته عبد الله ود تورشين بعد أن استتب لهم حكم السودان إلى جهة غير مصر؟ لماذا أرادها المهدي إصلاحية شمالية وليست لنشر الإسلام في كل أفريقيا؟ .
(3)
الحديث في الحتة دي والتي قبلها أي العلاقات التاريخية بين البلدين يطول…
إذن يا جماعة الخير إن التاريخ الخالي من التزوير والتدليس يثبت عدم تعرّض المواطن السوداني لأي ظلم مباشر من المواطن المصري… وذلك ببساطة لأنه لم بحكمه في يوم من الأيام… فيثور السؤال من جديد من أين جاءت هذه الصورة السالبة عن مصر والمصريين ؟
جاءت من الدولة المصرية التي كان يحكمها الألبان والشركس والارناؤوط وفيما بعد من الدولة المصرية التي كان يسيطر على قرارها الانجليز…. لذلك يجب أن نفرّق بين الدولة المصرية والمواطن المصري … الدولة الوطنية المصرية ظهرت مع جمال عبد الناصر (مافي مانع إن قلت محمد نجيب إرضاءًا للهوى السوداني ) هذه الدولة وفي وقت مبكر من عمرها أعطت السودان حق تقرير المصير (١٩٥٣) والتي بموجبها استقل السودان في يناير ١٩٥٦..أما لماذا فعل عبد الناصر ذلك؟ وهل كان في مقدوره أن يسلك مسلكاً آخر يبريء مصر من حكم السودان مع حفظ رباط الوحدة بين البلدين ؟ فهذا أمر دار فيه جدل كثير وكتبت فيه كتب و مجلدات….
لما كان من أهداف الانجليز الرئيسية من حكم السودان هو فصله عن مصر أنشأ قلم المخابرات الانجليزي قسماً خاصاً الغرض منه شيطنة مصر في الذهنية السودانية … اشتغل هذا القسم بذكاء على النواحي الثقافية ومن ضمنها المناهج التعليمية والإعلام الشعبي فأحدث الشرخ المطلوب في الوجدان الشعبي…. ولكن كان الأهم هو تسخير آليات الدولة للفصل بين البلدين سياسياً و اقتصادياً… فكانت الأحزاب المعادية لمصر ليها شنة ورنة… وكانت المؤسسات الاقتصادية المتجاوزة لمصر…
بعد الاستقلال تغذّت الصورة السالبة المشار إليها بالأخطاء القاتلة من الحكومات الوطنية في البلدين وهذه قصة أخرى.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top