اندياح
داليا الياس
قلب الأم.. له عينان
هناك حاسة خفية لا تُدرَّس في الكتب…ولا تُقاس بالأرقام.. لكنها تصيب الهدف بدقة مدهشة…ربما لانعرف قيمتها في وقتها….ولا ندرك أبعادها إلا بعد فوات الأوان.. إنها حدس الأمهات.
تلك النظرة التي كانت ترمقنا بها أمهاتنا ونحن نحكي بحماس عن صديقة جديدة… أو نُلمّح بإعجاب خجول بشخصٍ ما…أو نندفع نحو خيارٍ معين… لم تكن نظرة عابرة….بل قراءة عميقة لما بين السطور وما وراء الأحداث!
كنا نظنها حينها مبالغة… أو خوفاً زائداً… أو حتى تدخلاً غير مبرر في تفاصيلنا الخاصة…فنمتعض ونتكدّر…..لكن الأيام—كعادتها—تُعيد ترتيب المشهد… لنكتشف أننا كنا نرى السطح فقط… بينما كانت أمهاتنا ترى العمق.
كم مرة قالت لنا: (البت دي ما عاجباني !!) … فدافعنا عنها بكل ما أوتينا من ثقة…وسردنا صفاتها المبهرة… ثم اكتشفنا لاحقاً أن خلف تلك الإبتسامات كمُنت نوايا لم تكن صافية؟!… وكم مرة حذّرتنا من شخصٍ ظنناه الأمان…فاندفعنا نحوه بعواطفنا…وظننا تحفظها عليه تسلطاً وقسوة على قلوبنا الغضة….وانزوينا متهمين إياها بالتحامل… فإذا به درس قاسٍ تعلمنا منه كل أنواع الوجع …بعد أن فقدنا حدودنا وقيمتنا؟!.
في العلاقات… خصوصاً حين يتعلق الأمر بالزواج… يتجلى هذا الحدس بشكل أوضح… فالأم لا ترى فقط الكلمات المعسولة… بل تلتقط ما وراءها…طريقة التعامل…مستوى الفهم….معدل تحمل المسئولية….نبرة الصوت الباردة…الأنانيةةوالنرجسية المتوارية خلف التصرفات… تفاصيل صغيرة لا ننتبه لها نحن حينها لأننا منغمسين في العاطفة الجياشة… لكنها بالنسبة لها إشارات لا تُخطئ…وإرهاصات مسبقة.
نحن ننجرف خلف قارب مشاعرنا دون تفكير… بينما تقف أمهاتنا على ضفة الحكمة… تراقب… تحلل…تستدعي تجاربها وخبراتها وإحساسها الفطري المقدس… وتخاف علينا من انكسار لا نراه …يلوح في الأفق.
وليس هذا لأن الأم تعرف كل شيء،…بل لأنها تحبنا بطريقة تجعلها ترى ما نعجز نحن عن رؤيته….طريقة توفر لها تيرموتراً مميزاً يقيس معدل صلاحية الآخرين…. ومنظاراً ناصعاً يؤكد أن حبها ليس أعمى… بل هو الأكثر بصيرة.
وهانحن…نختلف معها… نغضب… نُصرّ على قراراتنا…نتضجر من وصايتها…نتمرّد على توجيهاتها… وربما نمضي عكس تحذيراتها…. لكننا—في لحظة صدق مع النفس قد تأتي ولو بعد حين—نتذكر كلماتها… ونردّد بصمت: (ليتنا أذعنا )…وهذا في الغالب حين لاينفع الندم.
عليه…فحدس الأمهات ليس سيطرة… ولا محاولة لفرض الرأي….بل هو صوت الخبرة الممزوج بالخوف الصادق… هو ذلك الإنذار المبكر الذي نحاول تجاهله، لأننا نريد أن نعيش التجربة بأنفسنا… حتى وإن كان الثمن موجعاً.
ربما لن نتفق مع أمهاتنا دائماً…ولن أقول أنهن دائماً على صواب في المطلق… وربما من الأفضل لنا أن نختار طرقاً مختلفة للحياة…لكن الذكاء الحقيقي ليس في معارضتهن لمجرد إثبات الاستقلال…بل يكمن في ممارسة فن الإصغاء… في التمهل… في منح هذا الصوت الصادق فرصة… في وضع آرائهن في الإعتبار.
لأن الحقيقة التي نتأخر في فهمها كثيراً هي أن الأم لا تتمنى أن تكون على صواب بقدر ما تتمنى أن نكون نحن بخير….فإن اختلفت مع حدسها… لا تهمله تماماً…وإن ضاق صدرك من تحذيراتها… تذكر فقط أنها لا ترى بعينيها فحسب… بل بقلب عاش قبلك وخاف عليك أكثر مما تخيّلت يوماً.
*تلويح:
ليتني يا أمي….ليتني !






