الوالي الجديد يزور الموارد المعدنية ويفتح ملف التعدين
جنوب كردفان..تحريك مثلث الذهب
“17” شركة تدخل الإنتاج و”22″ في الطريق.. مؤشرات تعافي
محمد طاهر يستعرض اختصاصات الشركة.. مراقبة وتنظيم وتطوير
كافي: الأمن والاستقرار أساس عودة النشاط التعديني ودفع التنمية
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
في أول تحرك من نوعه منذ توليه مهام منصبه الجديد، وضع والي ولاية جنوب كردفان، فريق شرطة حقوقي محمد عبد الرحيم كافي ملف التعدين على طاولة الأولويات، مستهلاً زياراته الرسمية بلقاء المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية المحدودة د. محمد طاهر عمر، في خطوة تحمل أكثر من دلالة في ولاية تختزن تحت أرضها ثروة معدنية هائلة، فيما تتزايد مؤشرات دخول شركات جديدة إلى دائرة الإنتاج، حيث تجاوز اللقاء منصة الزيارة البروتوكولية، ليحمل إلى طاولة النقاش جملة من الملفات التي ظلت تمثل تحديات حقيقية أمام قطاع التعدين، من تنظيم النشاط ومعالجة المخالفات ومتابعة أوضاع الشركات وتأمين مواقع التعدين، إلى ملف المسؤولية المجتمعية وأنصبة الولاية والمجتمعات المحلية، وهي قضايا تبدو في ظاهرها فنية وإدارية، لكنها في جوهرها ترتبط مباشرة بمستقبل اقتصاد جنوب كردفان واستقرار مناطق التعدين فيها.
التعدين المبكر
والواقع أن اختيار الشركة السودانية للموارد المعدنية لتكون أول محطة للوالي الجديد منذ تسلمه مهامه، يضع التعدين مبكراً في قلب أجندة حكومة جنوب كردفان، فالولاية لا تتعامل مع قطاع هامشي يمكن تأجيله، وإنما مع واحد من أكثر القطاعات قدرة على تحريك الاقتصاد المحلي، وجذب الاستثمارات، وخلق فرص العمل، وتوفير موارد يمكن أن تتحول إلى خدمات ومشروعات تنموية إذا ما أحسن تنظيمها وإدارة عائداتها، ومن هنا جاءت أهمية اللقاء بين كافي ومحمد طاهر عمر، حيث استعرض المدير العام اختصاصات الشركة في تنظيم النشاط التعديني وتطويره والرقابة عليه، مؤكداً أهمية التنسيق بين الشركة وحكومة الولاية والمجتمعات المحلية، بما يضمن الاستفادة المثلى من الموارد المعدنية، وفي المقابل، بدا واضحاً أن الوالي الجديد يريد أن يفتح عهده الاقتصادي من بوابة الموارد، مع إدراك أن الذهب والثروة المعدنية يمكن أن يشكلا رافعة حقيقية لولاية ظلت لعقود تعاني من آثار الحرب وضعف الخدمات وتعثر التنمية.
مفارقة غريبة
ولعل المفارقة اللافتة أن والي جنوب كرفان السابق الأستاذ محمد إبراهيم عبد الكريم كان قد زار مقر الشركة السودانية للموارد المعدنية نهاية الأسبوع الماضي، وذلك قبيل دقائق معدودة فقط من صدور قرار إقالته من منصبه، ليأتي خلفه الفريق شرطة حقوقي محمد عبد الرحيم كافي ويبدأ من المكان ذاته تقريباً، فاتحاً الملف نفسه ولكن في سياق جديد، ليحمل المشهد دلالة تتجاوز المصادفة الزمنية؛ فملف الموارد المعدنية يبدو أكبر من الأشخاص، وأهم من التغييرات التي تطال الجهاز التنفيذي لولاية جنوب كردفان، فقد غادر محمد إبراهيم عبد الكريم منصبه، لكن الأسئلة المتعلقة بالتعدين ظلت قائمة: كيف تنظم الولاية نشاط الشركات؟ كيف تجذب المستثمرين؟ كيف تحمي مناطق التعدين؟ وكيف تضمن وصول أموال المسؤولية المجتمعية وأنصبة المجتمعات إلى مستحقيها؟ والآن يقف كافي أمام الأسئلة ذاتها، لكن مع فرصة جديدة لتحويلها من ملفات متداولة في الاجتماعات إلى سياسات وبرامج عملية، ولعل التحدي الحقيقي أمام الوالي الجديد ألا يكتفي بإعادة إنتاج الزيارات والاجتماعات، وإنما أن ينقل ملف التعدين إلى مرحلة الشراكة المؤسسية التي تجعل حكومته والمجتمعات المحلية والشركة السودانية والمستثمرين شركاء في صناعة مستقبل اقتصادي جديد.
مؤشرات إيجابية
وتحمل المؤشرات القادمة من قطاع التعدين بولاية جنوب كردفان قدراً كبيراً من التفاؤل، حيث كشف مدير الشركة السودانية للموارد المعدنية بجنوب كردفان جيولوجي {ورشة ناصر ورشة} عن التصديق لـ61 شركة، دخلت 17 منها مرحلة الإنتاج، بينما تستعد 22 شركة أخرى للدخول في الإنتاج خلال أيام، وقال ناصر في إفادته للكرامة إن هذه الشركات ال٦١ تعمل جميعها في مجال معالجة مخالفات التعدين التقليدي، وهو حراك يمثل مؤشراً مبشراً للموسم الجديد، داعياً إلي ضرورة دخول استثمارات جديدة من قبل شركات الامتياز لإحداث التحول التدريجي في طبيعة النشاط التعديني بالولاية، من نشاط تقليدي واسع الانتشار إلى قطاع أكثر تنظيماً يمكن أن يستوعب رؤوس الأموال والخبرات والتقنيات الحديثة، ونوه ورشة ناصر إلى توفر المناخ الملائم للاستثمار وسط وحدة وتماسك المجتمعات المحلية، وترحيبها بدخول المستثمرين المحليين والأجانب وتعاونها مع شركاء القطاع للنهوض بمناطقهم تنموياً عبر التعدين.
مثلث الذهب
وتمتلك جنوب كردفان مقومات تجعلها مؤهلة لتكون أكبر ولايات السودان إنتاجاً للمعدن النفيس والمعادن الأخرى، ويلوّح مثلث الذهب المتمثل في مناطق “تلودي –كلوقي –الليري” كأحد أهم المناطق الذاخرة بمقومات تعدينية واعدة، هذا فضلاً عن مناطق أخرى حبلى بمؤشرات تعدينية يمكن أن تفتح الباب أمام توسع كبير في النشاط التعديني.
ضمانات
وتبقى الحقيقة المهمة أن الثروة وحدها لا تصنع اقتصاداً، فما تحت الأرض يحتاج إلى استقرار فوقها، والاستثمار يحتاج إلى قوانين واضحة، والشركات تحتاج إلى بيئة آمنة، والمجتمعات تحتاج إلى ضمانات حقيقية بأن عوائد موارد مناطقها ستنعكس على حياتها، ومن هنا تأتي أهمية الأمن والاستقرار الذي شدد عليه الوالي محمد عبد الرحيم كافي، باعتباره شرطاً لا غنى عنه ليس فقط لاستمرار التعدين، وإنما لدفع مختلف القطاعات الاقتصادية والتنموية في الولاية، ومن ثم، فإن استقرار جنوب كردفان لا يعني فقط توقف البنادق، وإنما يعني أيضاً فتح الطريق أمام موارد الولاية لكي تدخل دورة الاقتصاد الرسمي وتتحول من مصدر للتنافس والصراع إلى مصدر للتنمية والإبداع.
الرضا المجتمعي
ويرى مختصون أن الاختبار الأصعب أمام والي جنوب كردفان الجديد يكمن في تحقيق الرضا المجتمعي للمناطق المستضيفة للأنشطة التعدينية باعتبار أن التوسع في التعدين ودخول عشرات الشركات إلى مرحلة الإنتاج لا ينبغي أن يعني فقط زيادة الإنتاج، وإنما يجب أن يعني أيضاً زيادة ما يعود على المجتمعات المستضيفة للنشاط التعديني، ولهذا جاء ملف المسؤولية المجتمعية في صدارة النقاش بين الوالي والمدير العام للشركة، فالسنوات الماضية تركت لدى بعض المجتمعات المحلية شعوراً بالغبن تجاه بعض الشركات، بسبب تغولها على مناطقها، بسبب أو تقصيرٍ في إنفاذ مشروعات المسؤولية المجتمعية وعدم وصول مستحقات المجتمعات بالصورة والسرعة المطلوبة، فكلما شعر المواطن أن الذهب الذي يُستخرج من أرضه يعود عليه وعلى أبنائه بالخدمات والتنمية، أصبح أكثر ترحيباً بالشركات وأكثر استعداداً لحماية النشاط التعديني واستدامته.
خارطة طريق
وتبدو أمام الوالي الجديد فرصة “ذهبية” لوضع نموذج مختلف لإدارة قطاع التعدين في ولاية جنوب كردفان، فالبداية وفقاً لخبراء يمكن أن تكون بإنشاء آلية تنسيق دائمة تجمع حكومة الولاية والشركة السودانية للموارد المعدنية والجهات المختصة والمجتمعات المحلية، بحيث لا تظل قضايا التعدين رهينة الاجتماعات الموسمية، وإنما تصبح جزءاً من منظومة عمل مؤسسية مستمرة، ثم يأتي تسهيل الاستثمار باعتباره أولوية، من خلال تبسيط الإجراءات، وتوفير المعلومات الجيولوجية، وتأمين مواقع التعدين، ومحاربة النشاط غير المنظم، وإزالة العقبات التي يمكن أن تنفِّر المستثمرين الجادين، ولكن تسهيل الاستثمار لا يعني فتح الأبواب بلا ضوابط، فالشركة التي تدخل إلى جنوب كردفان يجب أن تعرف منذ البداية حقوقها وواجباتها، كما يجب أن تعرف المجتمعات المحلية حقوقها، وأن تكون المسؤولية المجتمعية التزاماً واضحاً لا منحة اختيارية، والمرحلة المقبلة تحتاج كذلك إلى التفكير في زيادة القيمة المضافة، بحيث لا تكون الولاية مجرد منطقة لاستخراج الخام، وإنما بيئة تحتضن عمليات المعالجة وتخلق فرصاً أوسع للعمل والخدمات والنقل والتجارة، كما أن أموال المسؤولية المجتمعية وأنصبة الولاية والمجتمعات ينبغي أن تخضع لأعلى درجات الشفافية، مع توجيهها إلى مشروعات ذات أثر مباشر ومستدام، بدلاً من تبديدها في بنود لا يشعر المواطن بعائدها، وإذا نجحت حكومة الولاية في تحقيق هذه المعادلة، فإن التعدين يمكن أن يتحول من مجرد نشاط اقتصادي إلى مشروع لإعادة بناء جنوب كردفان نفسها.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فإن زيارة والي ولاية جنوب كردفان الجديد، فريق شرطة حقوقي محمد عبد الرحيم كافي للشركة السودانية للموارد المعدنية، قد تكون مجرد بداية، لكنها بداية تحمل إشارات مهمة، فالولاية تقف أمام موسم تعديني جديد، وعشرات الشركات تقترب من الإنتاج، ومستثمرون يبدون اهتماماً، ومجتمعات محلية تقول إنها مستعدة لاستقبال الاستثمار، وفي المقابل، هناك تحديات الأمن، والتنظيم، والبيئة، والمسؤولية المجتمعية، وحماية حقوق السكان، وهي ملفات لا يمكن تجاوزها إذا كان الهدف هو بناء قطاع تعدين مستدام ينطلق من منصة شراكة حقيقية مع المجتمعات، والشركات، وشركاء القطاع ليكون التعدين الآمن والمستقر، بوابةً للاستثمار، ورافعة للتنمية وإعادة الإعمار.






