“اليونسيف” أعلنت عن “8” ملايين منهم خارج التعليم أطفال السودان..جيلٌ على حافة المجهول

“اليونسيف” أعلنت عن “8” ملايين منهم خارج التعليم

أطفال السودان..جيلٌ على حافة المجهول

خطوات إعادة الإدماج في مسار التعليم.. تحدي الدولة

فقدان الصغار للعائل والملاذ الآمن يجعلهم عرضة للاستغلال.. مخاوف

خبير تربوي: الحرب تسرق سنوات العمر والأطفال يدفعون الثمن

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

أعلنت منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) أن أكثر من 8 ملايين طفل في السودان لا يزالون خارج مقاعد الدراسة، محذرةً من أن مستقبل هؤلاء الأطفال أصبح مجهولاً في ظل الأوضاع الحالية، ومؤكدة في الوقت نفسه أهمية إعادتهم وإدماجهم في المسار التعليمي، وأعلنت المنظمة إطلاق مشروع لتوزيع 8 آلاف منحة في الولايات الآمنة نسبياً، إلى جانب تقييم الاحتياجات التعليمية، مع التركيز على مدارس القطاع الحكومي والالتزام بالشفافية في استخدام المنح، في محاولة لإعادة فتح أبواب التعليم أمام الأطفال المتضررين من الحرب.

حجم الكارثة
ويكشف وجود أكثر من 8 ملايين طفل خارج المدرسة حجم الكارثة التي خلفتها تداعيات الحرب، وتقف خلف هذا العدد ملايين القصص لأطفال توقفت سنواتهم الدراسية، واضطروا إلى النزوح والابتعاد عن بيئة التعليم والاستقرار، ويؤكد خبراء ومختصون أن المدرسة ليست مكاناً لتلقِّي المعرفة فقط، وإنما مساحة للحماية وبناء الشخصية واكتساب المهارات وتكوين العلاقات الاجتماعية، وكلما طال غياب الطفل عنها، اتسعت الفجوة التعليمية والنفسية والاجتماعية التي يصعب ردمها لاحقاً، ومن هنا، فإن استمرار الانقطاع عن التعليم يعني أن الحرب لا تستهدف حاضر الأطفال وحده، وإنما تفتح الباب أمام خسارة مستقبلهم أيضاً.
الأكثر تضرراً
ويرى الخبير التربوي ومدير عام التعليم بولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، الأستاذ «عبد الحميد هارون طوّة»، أن الأطفال واليافعين في سن التعليم العام من أكثر الفئات تضرراً من الحرب، ونوه هارون في إفادته للكرامة إلى أن إغلاق المدارس والنزوح الداخلي والخارجي يحرمهم من فرص التعليم ويدفعهم إلى مواجهة ظروف معيشية بالغة الصعوبة، محذِّراً من أن فقدان الأطفال للعائل أو الملاذ الآمن قد يدفع بعضهم إلى البحث عن الطعام ومقومات البقاء، ما يجعلهم عرضة للاستغلال، بما في ذلك العمالة الرخيصة والاستغلال الجنسي، فالخسارة إذن لا تتوقف عند حدود ضياع سنوات الدراسة، فآثار هذه الظروف يمكن أن تمتد إلى شخصية الطفل نفسه، وتنعكس على مستقبله النفسي والاجتماعي وقدرته على الاندماج والإنتاج.
خطر يتجاوز الأمية
ووفقاً لهذه القراءة، فإن المشكلة ليست في أن ملايين الأطفال لا يحملون كتباً مدرسية اليوم، وإنما في أن الحرب قد تعيد تشكيل جيل كامل بعيداً عن البيئة التي يفترض أن تصنع شخصية الطفل ومعارفه وقيمه، ذلك أن الطفل الذي ينشأ وسط النزوح والفقر والخوف وانقطاع التعليم، دون رعاية أو حماية، يصبح أكثر عرضة للاضطرابات النفسية والسلوكيات العدوانية، ويجد نفسه أمام مستقبل محدود الخيارات، ويحذر الخبير التربوي الأستاذ «عبد الحميد هارون طوّة» من أن النتيجة قد تكون إنتاج أشخاص مضطربين نفسياً، تتراجع لديهم المبادئ والقيم الإنسانية والمجتمعية، وهو ما يجعل أزمة التعليم جزءاً من أزمة اجتماعية أوسع قد تظهر آثارها بوضوح في مرحلة ما بعد الحرب، وهنا تصبح إعادة الأطفال إلى التعليم ليست مجرد استعادة لحق ضائع، وإنما محاولة لحماية المجتمع من نتائج جيل كامل عاش طفولته خارج المدرسة وتحت ضغط الحرب.
مراكز التأهيل
«الخروج من الأزمة، لا ينبغي أن ينتظر عودة المدارس إلى أوضاعها الطبيعية»، هكذا يقول الخبير التربوي، منوهاً إلى إمكانية وضع برامج خاصة للأطفال واليافعين المتأثرين بالحرب، تستوعب أولئك الذين أصبحوا خارج النظام التعليمي، ويقترح الأستاد «عبد الحميد طوّة» إنشاء مراكز تأهيل للأطفال خارج المدرسة، تجمع بين التأهيل النفسي والبدني، خصوصاً لمن فقدوا أجزاء من أجسادهم بسبب الحرب، إلى جانب توفير المواد الأكاديمية الأساسية والتدريب المهني والفني، باعتبار أن مثل هذه المراكز يمكن أن تمثل جسراً بين الطفل الذي فقد سنوات من التعليم وبين مستقبله، عبر مسارات مرنة لا تكتفي بتعويض الفاقد الأكاديمي، وإنما تعالج كذلك الآثار النفسية والجسدية والاجتماعية التي خلفتها الحرب، ويشدد الخبير على أهمية أن تكون هذه البرامج تحت إشراف مهنيين وخبراء متخصصين، حتى لا تتحول عملية إعادة الدمج إلى مجرد استجابة مؤقتة لا تعالج جذور المشكلة.
الخطط والتنفيذ
وبحسب الخبير التربوي، فإن مشاريع التأهيل النفسي والبدني للأطفال المتأثرين بالحرب، ليست أفكاراً جديدة أو مستحيلة التطبيق، إذ توجد برامج وخطط واضحة ومدروسة يمكن الاستفادة منها، لكن العائق الأساسي، يكمن في التطبيق والتنفيذ، ويشير إلى أن تدخل غير المختصين، إلى جانب ما وصفه عدم الرغبة في إنجاح بعض البرامج لأهدافٍ سياسية أو بسبب أحقاد مجتمعية، يمكن أن يحول دون وصول هذه المبادرات إلى الأطفال الذين يحتاجون إليها فعلياً، ما يتطلب إبعاد التعليم خارج التجاذبات السياسية، وإخضاع برامج إنقاذ الأطفال لمعايير مهنية واضحة، تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه، وتحافظ على شفافية التمويل والتنفيذ.
8 آلاف منحة
وفي مواجهة هذا الواقع المرير، تأتي مبادرة اليونيسف لتوزيع 8 آلاف منحة في الولايات الآمنة نسبياً، مع تقييم الاحتياجات والتركيز على مدارس القطاع الحكومي، باعتبارها خطوة يمكن أن تسهم في إعادة عدد من الأطفال إلى المسار التعليمي، بيد أن الفارق بين 8 آلاف منحة وأكثر من 8 ملايين طفل خارج التعليم يكشف بوضوح ضخامة المهمة، ويؤكد أن إنقاذ التعليم السوداني يحتاج إلى جهود أكبر من مشروع واحد، وإلى شراكة واسعة بين الدولة والمنظمات الدولية والمجتمع المدني والمجتمعات المحلية، فالمطلوب وفقاً لمراقبين ليس فقط إعادة فتح أبواب المدارس، وإنما بناء مسارات متعددة تستوعب الأطفال الذين اختلفت ظروفهم باختلاف مناطق النزوح والحرب والفقد والإصابة.

خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فقد تنتهي الحرب في يوم ما، وقد تعود المدارس إلى استقبال الطلاب، ولكن ما مصير ملايين الأطفال الذين فقدوا سنوات من التعليم؟ إن إعادة بناء السودان لن تبدأ فقط من إعادة تأهيل الطرق والمستشفيات والمباني، وإنما من إعادة تأهيل الإنسان نفسه، وفي مقدمة ذلك الأطفال الذين يمثلون رأس المال البشري ومستقبل البلاد، ولهذا، فإن إعادة الأطفال إلى مقاعد الدراسة، ومعالجة الفاقد التعليمي، وتوفير الدعم النفسي والاجتماعي، وتأهيل المصابين، وفتح مسارات التعليم المهني، كلها ليست ملفات ثانوية يمكن تأجيلها إلى ما بعد انتهاء الحرب، فأزمة التعليم تفرض معركة أخرى أكثر هدوءً وخطورة، هي معركة إنقاذ المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top