عقدت أول مؤتمر صحفي في الخرطوم لجنة “الحوار السوداني”.. ضربة البداية

عقدت أول مؤتمر صحفي في الخرطوم

لجنة “الحوار السوداني”.. ضربة البداية

أعلنت عن مبادرة وطنية لإنهاء الحرب.. توافق وطني

بدري: السودانيون قادرون على حل مشكلاتهم.. حوار مباشر

ميرغني: اللجنة مهمتها التمهيد للحوار وظروف انطلاقه

خبير: هنالك أزمة عميقة بين القوى السياسية.. ضرورة بناء الثقة

الخرطوم: محمد جمال قندول

مبادرة جديدة لحوار “سوداني سوداني” استعرض أعضاؤه ظهر أمس طريقاً جديداً لربما يفضي لتطورات في المشهد.

وتداعى أمس حشدٌ من الصحفيين والإعلاميين بفندق السلام روتانا وهم يشهدون ميلاد حوار “سوداني سوداني”، حيث عقدت لجنة تحضيرية ضمت أسماءً عديدة مؤتمرًا صحفيًا استعرضوا فيه مسارًا جديدًا لعتبة حوار غير أن التساؤلات ظلت وتظل حاضرة في إمكانية أن يجد هؤلاء المبادرون الجدد نورًا في طريق محفوف بتباين الآراء والمواقف السياسية.
محنة
وقالت لجنة الحوار السوداني، في بيان أمس، إنّ المبادرة تأتي في ظل «المحنة القاسية» التي يعيشها المواطنون السودانيون بسبب الحرب وما خلفته من دمار للأرواح وانتهاك للكرامة الإنسانية، إلى جانب النزوح واللجوء وتدهور الخدمات وفقدان الأمن الشخصي والعام وتدمير البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة.
وأوضحت اللجنة أن دورها في المرحلة الحالية يتركز على تهيئة المناخ وبناء الثقة وتيسير المشاورات الأولية مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية داخل السودان وخارجه، وصولاً إلى بلورة رؤية مشتركة بشأن شروط الحوار ومنهجه وضماناته، والاستماع إلى مخاوف الأطراف وجمع مقترحاتها وتقريب وجهات النظر.
وشدّدت اللجنة على أن الحوار المرتقب يجب أن يكون سودانياً مستقلاً، وأن التوافق الوطني لا يتحقق بالإقصاء أو بفرض حوار جاهز، وإنما بالاستماع والتشاور وبناء الحد الأدنى من الثقة حول شروط الحوار ومنهجه وضماناته.
وطالبت اللجنة الدولة بتوفير الضمانات اللازمة لانعقاد الحوار داخل السودان، وفي مقدمتها وقف البلاغات المقيدة بواسطة أجهزة الدولة في مواجهة أي سوداني مقيم بالخارج بسبب نشاطه في المشاورات أو الحوار، أو بسبب رأي أدلى به في إطار سياسي، إضافة إلى تمتع المشاركين في المشاورات والحوار بحصانة إجرائية مؤقتة تمنع اتخاذ أي إجراءات جنائية في مواجهتهم من تاريخ دخولهم البلاد وحتى مغادرتها عقب انتهاء مشاركتهم.
وخاطبت اللجنة المجتمع الدولي والدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الإقليمية والدولية، داعية إلى دعم جهود تهيئة المناخ والتشاور وبناء الثقة، واحترام الإرادة السودانية وعدم التدخل في مجريات الحوار أو مخرجاته، ومساندة السودانيين في صياغة مستقبلهم بأيديهم.
بالمقابل، قال الأستاذ قاسم بدري، إن المبادرة جاءت انطلاقاً من قناعة بأن السودانيين قادرون على حل مشكلاتهم بأنفسهم، والدخول في حوار مباشر «دون تدخل أو وسيط، ودون عزل أو استعلاء».
ولفت إلى أن المبادرة تأتي في «لحظة تاريخية فارقة» في مسيرة الوطن، بهدف إحياء روح الحوار بين السودانيين ولمّ شملهم.
كما أوضح أن المبادرة ترتكز على عدة محاور، أبرزها الاستقلال التام عن أي نفوذ أو معوقات عرقية أو فئوية، إلى جانب تشجيع المتفاوضين والمتحاورين على صياغة القضايا والتوصل إلى توصيات نهائية والعمل على تنفيذها.
من جانبه، قال المهندس عثمان ميرغني، عضو لجنة الحوار السوداني–السوداني، إن مهمة اللجنة في المرحلة الحالية تتركز على التمهيد للحوار وتهيئة الظروف اللازمة لانطلاقه، مؤكداً أن الخوض في تفاصيل الحوار قبل استكمال المشاورات مع الأطراف السودانية المعنية سيكون سابقاً لأوانه.
وأوضح ميرغني أن «مهمة هذه اللجنة مهمة تمهيدية»، مشيراً إلى أن محاولة الإجابة في الوقت الراهن عن تفاصيل الحوار، مثل أطرافه وأجندته ومدته، قد تتعارض مع طبيعة المهمة التي تضطلع بها اللجنة.
وقال إن اللجنة ستبدأ، اتصالات ومشاورات مباشرة مع القوى السياسية والقوى المجتمعية، إلى جانب القوى الدولية ذات الصلة بالشأن السوداني، بهدف الوصول إلى «العقدة الأولى»، والمتمثلة في تحقيق توافق بين المكونات السياسية والمجتمعية السودانية على مبدأ الحوار.
ترحيب
رحب الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. أسامة محمد عبد الرحيم بإطلاق مبادرة التهيئة للحوار السوداني–السوداني من الخرطوم، ورأى أن أهم ما ورد في خطاب اللجنة هو إدراكها أن الحوار لا يبدأ من القاعة التي يجتمع فيها السودانيون، وإنما من تهيئة البيئة التي تجعل اجتماعهم ممكناً ومنتجاً وذا مصداقية، مؤكدًا أن أي جهد وطني يسعى إلى وقف الحرب، ومنع تكرارها، وإعادة بناء الدولة، يستحق التعامل معه بجدية ومسؤولية وطنية، بعيداً عن الأحكام المسبقة والمواقف التي تحدد موقفها من المبادرات بحسب أسماء القائمين عليها قبل النظر إلى مضمونها.
ويشير أسامة إلى أن تأكيد اللجنة أن دورها في هذه المرحلة هو التهيئة والتيسير والاستماع، وليس تقديم حوار جاهز أو فرض أجندة مسبقة، أمر بالغ الأهمية، لأن واحدة من مشكلات التجارب السياسية السابقة في السودان كانت الوصول إلى طاولات الحوار وقد حُسمت مسبقاً أسئلة المشاركين والأجندة والنتائج المتوقعة.
ويلفت الخبير الاستراتيجي د. أسامة إلى أن حديث الأستاذ عثمان ميرغني عن صعوبة التكهن الآن بتفاصيل الحوار، وتحذيره من أن استباق المشاورات قد يجعل المبادرة تبدو وكأنها تسعى إلى تقديم حوار «معلب» أو مسبق الصنع، يمثل في تقديري فهماً صحيحاً لطبيعة مرحلة التهيئة. فالمطلوب الآن أن يتحدث السودانيون إلى بعضهم، وأن تستمع اللجنة إلى أكبر قدر ممكن من القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والشخصيات الوطنية وأصحاب المصلحة، داخل السودان وخارجه، قبل تحديد شكل الحوار النهائي وأجندته وآلياته.
ويشترط د. أسامة لنجاح المبادرة، الحفاظ الصارم على استقلالية المبادرة، فالحوار ينبغي أن يكون سودانياً في ملكيته وإدارته وقراره ومخرجاته. ويمكن للأشقاء والأصدقاء والمنظمات الإقليمية والدولية أن يقدموا الدعم والتسهيلات، لكن القرار يجب أن يبقى بيد السودانيين.
ويشير كذلك إلى عدم الإقصاء السياسي المُسبق، مع عدم تحويل الشمول إلى وسيلة للإفلات من المسؤولية. فالحوار الوطني الحقيقي ينبغي أن يفتح المجال أمام القوى السياسية والمدنية والمجتمعية والمهنية والأهلية والشباب والنساء والأقاليم والنازحين واللاجئين وسائر أصحاب المصلحة، مع ضرورة التمييز بين المشاركة السياسية وبين المسؤولية الجنائية عن الجرائم والانتهاكات، مؤكدًا أن المصالحة السياسية لا تلغي العدالة، والحوار لا يمنح حصانة من المساءلة عن الجرائم التي يحددها القانون.
ويرى أسامة أن تكون الضمانات التي تحدثت عنها المبادرة واضحة ومكتوبة ومعلنة ومحددة المدى والغرض، فمن الضروري توفير الأمان للمشاركين، وضمان حرية التعبير والحركة، وحماية مقار الحوار، وعدم استخدام أجهزة الدولة للتأثير على المشاركين أو المخرجات. وفي الوقت نفسه ينبغي أن تكون الحصانات الإجرائية المرتبطة بالحوار محددة بوظيفتها وزمنها، وألا تتحول إلى غطاء يحول دون المساءلة عن الجرائم الجنائية الجسيمة أو حقوق الأفراد.
ويلفت د. أسامة إلى ضرورة بناء الثقة قبل الدخول في القضايا الكبرى، فالسودان اليوم يعاني أزمة ثقة عميقة بين القوى السياسية، وبين المجتمع والسياسة، وبين المواطن ومؤسسات الدولة. ويؤكد أن هذه الثقة لن تعود بمجرد البيانات، وإنما تحتاج إلى إجراءات عملية، وخطاب سياسي مسؤول، ووقف التحريض والكراهية، وقبول حق الاختلاف، والاعتراف بأن الوطن أكبر من أي حزب أو جماعة أو تحالف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top