توعّد بإجراءات مشدّدة تجاه تجار العملة والمخرّبين حديث رئيس الوزراء … معركة تعافي الجنيه

توعّد بإجراءات مشدّدة تجاه تجار العملة والمخرّبين

حديث رئيس الوزراء … معركة تعافي الجنيه

كبح المضاربات في النقد الأجنبي وضبط حركة الأموال ..مطلوبات

مراقبة الحسابات الوهمية وحماية الاقتصاد..حسم

خبير :خطوة د.كامل مهمة وتتبعها حماية الذهب ومنع تهريب الموارد

تقرير: ضياء الدين سليمان

في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني تحديات معقدة فرضتها الحرب والاضطرابات التي طالت قطاعات الإنتاج والتجارة والنظام المصرفي أطلق رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس واحدة من أقوى رسائل الحكومة في مواجهة المضاربات وتخريب الاقتصاد معلناً الحرب على تجار العملة والوراقين وأصحاب الحسابات والشركات الوهمية في خطوة يُنظر إليها باعتبارها محاولة جادة لوضع حد للأنشطة التي أسهمت في إضعاف العملة الوطنية وتعميق معاناة المواطنين.
كبح المضاربات
وتأتي تصريحات رئيس الوزراء في وقت تترقب فيه الأسواق إجراءات عملية قادرة على كبح المضاربة في النقد الأجنبي وضبط حركة الأموال خارج القنوات الرسمية ومواجهة الشبكات التي تستفيد من الفوضى الاقتصادية لتحقيق أرباح ضخمة على حساب استقرار الجنيه السوداني ومعاش المواطنين.
لا كبير على القانون
وأكد الدكتور كامل إدريس في تصريحات لصحيفة “الكرامة” أن الدولة لن تتهاون في مواجهة كل من يثبت تورّطه في تخريب الاقتصاد الوطني مشدداً على أنه لن يكون هناك كبير على القانون حتى يتم ضرب كافة أوكار مخربي الاقتصاد عبر الممارسات الفاسدة والمضاربات والأنشطة التي تهدد الاستقرار الاقتصادي وحياة المواطنين.
وقال إن هناك جهات تدير ما وصفها بـ«حرب خفية» على الدولة اتخذت من الاقتصاد الوطني ملعباً لها مؤكداً أن الحكومة ستكون بالمرصاد لكل من يحاول استغلال الظروف الراهنة لتحقيق مكاسب غير مشروعة أو الإضرار بمصالح البلاد.
وأضاف رئيس الوزراء أن الحكومة ستضرب بيد من حديد على كل من يمارس أي نشاط تخريبي في هذا الجانب في رسالة واضحة إلى تجار العملة والمضاربين والشبكات الاقتصادية التي تعمل خارج الأطر القانونية.
إجراءات مرتقبة
وتوعّد كامل إدريس تجار العملة والوراقين وأصحاب الحسابات والشركات الوهمية بإجراءات وترتيبات مشددة خلال الأيام المقبلة موضحاً أنه وجّه الجهات المختصة بموافاته بالمطلوبات اللازمة لردع أي ممارسات من شأنها تخريب الاقتصاد الوطني.
وأكد أن المواجهة لن تقف عند حدود التصريحات وإنما ستنتقل إلى إجراءات قانونية ومصرفية وأمنية متكاملة تستهدف مصادر الخلل وقال: «سوف نحارب المخربين بقوة القانون وفعالية الإجراءات وضبط التدابير المصرفية والأمنية من أجل عزة ورفعة الوطن وتحسين معاش الناس».
وتفتح هذه التصريحات الباب أمام مرحلة جديدة من الرقابة على التعاملات المالية والنقدية خاصة في ظل انتشار الحسابات الوهمية والشركات غير الحقيقية التي يمكن أن تُستخدم في عمليات تحويل الأموال والمضاربات وإخفاء مصادرها أو توجيهها بعيداً عن القنوات الرسمية.
منابع المضاربة
ويرى الدكتور عمر كباشي استاذ الاقتصاد أن أحد أهم العوامل المؤثرة في تراجع قيمة الجنيه يتمثل في اتساع دائرة المضاربة على العملات الأجنبية حيث يؤدي الطلب غير الحقيقي على الدولار والعملات الأخرى إلى زيادة الضغوط على العملة الوطنية وارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وتتحول تجارة العملة في مثل هذه الظروف إلى سوق موازية تتحكم فيها شبكات المضاربة أكثر من العوامل الاقتصادية الطبيعية الأمر الذي يخلق فجوة واسعة بين السعر الرسمي والسعر المتداول خارج النظام المصرفي.
ومن هنا تكتسب خطوة رئيس الوزراء أهمية خاصة إذ إن نجاح الدولة في ملاحقة كبار المضاربين والوراقين وكشف الحسابات الوهمية وضبط الشركات التي تُستخدم كواجهات للأنشطة غير المشروعة يمكن أن يسهم في تقليص حجم السيولة المتداولة خارج النظام الرسمي وإعادة جزء من حركة النقد الأجنبي إلى البنوك والمؤسسات المالية.
ومع تراجع نشاط السوق الموازي وانخفاض الطلب المضاربي قد يجد الجنيه السوداني فرصة حقيقية لالتقاط أنفاسه واستعادة جزء من عافيته.
الحسابات الوهمية
وتعتبر الحسابات والشركات الوهمية واحدة من أكثر الملفات حساسية في المعركة الاقتصادية المرتقبة خاصة أن هذه الأدوات قد تُستخدم في تنفيذ معاملات مالية ضخمة بعيداً عن الرقابة الحقيقية.
فالحسابات التي تُفتح بأسماء غير حقيقية أو تُستخدم لأغراض تختلف عن طبيعتها المعلنة يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتجميع الأموال وتحريكها في عمليات مضاربة منظمة بينما قد تستخدم الشركات الوهمية في توفير غطاء قانوني ظاهري لتحويلات ومعاملات لا ترتبط بنشاط اقتصادي وإنتاجي حقيقي.
ولذلك يرى عمر كباشي بأن تشديد الرقابة على هذه الملفات وربط الحسابات والمعاملات بالهوية والنشاط الاقتصادي الفعلي يمثل خطوة أساسية في استعادة السيطرة على الدورة المالية ومنع تسرب النقد إلى شبكات المضاربة.
ترقب الشارع
ورغم أهمية إعلان الحرب على المضاربين فإن الشارع السوداني يترقب بصورة أكبر طبيعة الإجراءات التي ستتخذها الحكومة على الأرض ومدى قدرتها على تحويل هذه التوجيهات إلى واقع ملموس.
فاستقرار سعر الصرف يحتاج إلى جانب الردع القانوني إلى حزمة متكاملة من السياسات الاقتصادية تشمل زيادة تدفقات النقد الأجنبي وتشجيع الصادرات ودعم الإنتاج وإعادة الثقة إلى القطاع المصرفي وتسهيل التحويلات عبر القنوات الرسمية.
كما أن توفير العملة الأجنبية عبر الجهاز المصرفي وتشجيع السودانيين في الخارج على استخدام القنوات الرسمية للتحويل يمثلان عنصرين مهمين في تقليل اعتماد السوق على الوسطاء غير الرسميين.
غير أن الحرب على تجار العملة تظل خطوة ضرورية في المرحلة الراهنة باعتبار أن أي إصلاح اقتصادي قد يواجه بالتعطيل إذا استمرت شبكات المضاربة في استغلال الأزمات لتحقيق أرباح على حساب الاقتصاد الوطني.
تعافي الجنيه
السؤال الأبرز الذي يفرض نفسه بعد تصريحات رئيس الوزراء هو إلى أي مدى يمكن لهذه الخطوة أن تنعكس على سعر صرف الجنيه السوداني؟.
والإجابة ترتبط بدرجة كبيرة بحجم التنفيذ وشموليته واستمراريته. فإذا نجحت الدولة في تجفيف منابع المضاربة وإغلاق الحسابات الوهمية وملاحقة الشركات التي تستخدم كواجهات للأنشطة غير المشروعة وضبط تجارة العملة خارج النظام المصرفي فإن ذلك يمكن أن يقلل الطلب المصطنع على العملات الأجنبية.
كما أن الضربات المتزامنة لشبكات المضاربة قد تعيد الثقة تدريجياً إلى الجنيه خاصة إذا صاحبتها إجراءات اقتصادية تزيد المعروض من النقد الأجنبي وتعزز الإنتاج والصادرات.
لكن التعافي الحقيقي للجنيه لن يكون مجرد نتيجة لحملات أمنية بل يحتاج إلى توازن بين قوة القانون وقوة الاقتصاد، وإلى سياسات تجعل التعامل عبر البنوك أكثر أماناً وجاذبية من السوق الموازية.
خطوة مهمة
ورأى الكاتب الصحفي بابكر يحيى أن إعلان رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس الحرب على تجار العملة والمضاربين يمثل خطوة مهمة، لكنه دعا إلى أن تمتد معركة الإصلاح الاقتصادي إلى معالجة ما وصفه بالاختلالات العميقة في قطاع المعادن قائلاً إن على الحكومة إذا أرادت إصلاح الأوضاع الاقتصادية بصورة حقيقية أن تتجه إلى إصلاح وزارة المعادن والشركة السودانية للمعادن ومراجعة كل ما يتعلّق بقطاع التعدين مشيراً إلى أن آخر ما تردد بشأن هذا الملف يفيد بأن قيمة الذهب المهرب خلال الربعين الأول والثاني من العام الحالي بلغت نحو 12 مليار دولار، وهو مبلغ قال إنه كفيل، إذا تم الحفاظ عليه وإدخاله في الاقتصاد الوطني، بالمساهمة في حل كثير من المشكلات الاقتصادية المستعصية في البلاد.
وانتقد بابكر تركيز الحكومة على ما وصفه بمضايقة التجار ونشر أعداد كبيرة من فرق الجبايات في الطرق والأسواق معتبراً أن هذه الإجراءات أصبحت عبئاً على المواطنين والتجار وأسهمت في زيادة تكلفة السلع والمعيشة، لافتاً إلى أن سعر جوال الدقيق زنة 25 كيلوغراماً في أم درمان بلغ نحو 80 ألف جنيه، ودعا إلى تقليص هذه الارتكازات وحصر الإجراءات في المحطات الجمركية، وإعادة توجيه القوات والجهود نحو حماية الذهب والنحاس ومنع تهريب الموارد، بدلاً من ملاحقة شاحنات البصل والدقيق والزيت في الطرق العامة، مؤكداً أن إصلاح الاقتصاد يتطلب التركيز على حماية ثروات البلاد وتعظيم مواردها إلى جانب مواجهة المضاربات وتخريب الاقتصاد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top