للحقيقة لسان رحمة عبدالمنعم (القلقالة ..ديل أهلي )

للحقيقة لسان

رحمة عبدالمنعم

(القلقالة ..ديل أهلي )

صمدت قريتي الحبية “القلقالة” في وجه عدوان مليشيا الدعم السريع كما تصمد الأشجار العتيقة أمام الرياح العاتية، لم تهتز رغم ما عانته من أفعال المرتزقة والنهابين، ولم تفقد صبرها وهي تواجه الفوضى والخراب ،دخلوا إليها مدججين بالسلاح، يظنون أن القهر يسود إلى الأبد، نشروا الرعب، عبثوا بالمنازل، سرقوا ما استطاعت أيديهم أن تصل إليه، لكنهم لم يتمكنوا من انتزاع الروح التي تسكن هذه الأرض، تلك الروح التي جعلت القلقالة عصية على الانكسار.

وحين امتدت النيران إلى القرى المجاورة، وأُجبر (الجنجويد ) أهلها على النزوح، لم تغلق القلقالة أبوابها، ولم تتردد لحظة في استقبالهم. فتحت بيوتها، وسخّرت مدارسها، وقاسمتهم الزاد والمأوى، لم تتذمر من الضيق، ولم تشتكِ من الجوع، فقد كانت القيم الأصيلة راسخة فيها، تفيض بالكرم والمروءة، وتؤمن بأن اليد التي تعطي هي التي تبقى مرفوعة دوماً.

لكن المليشيا لم تكن لتترك أرضاً بقيت حرة، فحاولت أن تبسط عليها سطوتها بالقوة، في وضح النهار، حين تحرك (الشفشافة) نحو الحلة، وجدوا في طريقهم رجالاً قرروا أن الموت أهون من الخضوع ،وقف حمد محمد نور وبابكر عمر (كر) في وجههم، لم تخفهم فوهات البنادق، ولم يتراجعوا أمام تهديد الموت، أرادوا حماية ما تبقى، لكن الغدر كان أسرع، فاخترقت الرصاصات صدورهم، وسقطوا شهداء، تاركين خلفهم عهداً لا يسقط بالتقادم.

ولكن كما أن الليل مهما طال لا بد أن ينجلي، جاء يوم التحرير، ودخل الجيش إلى القلقالة، يطهرها من دنس المرتزقة، ويعيد لها وجهها الحقيقي، علت الزغاريد في البيوت، وامتلأت الساحات بالهتافات، عاد الناس إلى ديارهم كما يعود الطائر إلى عشه، يلمسون الجدران التي شهدت صبرهم، ويتفقدون الأزقة التي حفظت خطواتهم الغائبة.

وعلى وجوه الناس ارتسمت الفرحة، فها هي الحياة تعود إلى طبيعتها شيئاً فشيئاً، والقرية تستعيد أنفاسها بعد محنة طويلة، يترقب الناس عودة الشيخ أسامة عبدالرحيم إلى منبره في مسجد الخزينة، ليعانق صوته جدران المسجد من جديد، ويروي للناس حديث الصبر والانتصار ، وينتظر أبناء القلقالة لحظة يجتمعون في اسوا قهم(الساحة والجزارة)، يتبادلون الأخبار، ويحيون تفاصيل حياتهم القديمة، التي حاول الجنجويد طمسها ولم يفلحوا.

أما الميادين، فهي الأخرى تستعد لاستعادة وهجها القديم، سيعود النشاط إلى ملعب الرابطة، وسينتظر الجميع لحظة انطلاق التحديات في محيط الرعب ب (الخزينة )، حيث كانت القلوب تتسابق مع الأقدام، والمواجهات تشتعل بالحماس.
الجميع يترقب عودة المنافسات التي طال انتظارها، ويتطلعون لمباريات الحارس المتألق خالد أحمد الحسن في مواجهة شقيقه الهداف سامي، وعبر لقاءات لطالما كانت عنواناً للندية والإثارة، تشعلها مداعبات إبراهيم نصرالدين(رطوبة) ،ودقة تنظيم عبدالحليم محمد رحمة(حليكمو ) ، وأبوذر عبدالمنعم ، ستعود الحياة الرياضية كما كانت، ممتلئة بالحماس والروح التنافسية.

هذه الأرض لم تكن يوماً سهلة على الطغاة، ولم تعرف في تاريخها سوى الصبر والنصر، واليوم، تستعد القلقالة لتفتح صفحة جديدة، عنوانها العودة والبناء، عنوانها الوفاء للشهداء، وعنوانها الأمل الذي لا ينكسر مهما اشتدت المحن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top