الاستراتيجيات العسكرية المحكمة للجيش تدحر التمرد.. القوات المسلحة .. من الحفر ب”الأبرة” إلى الدفن ب”اللودر “

الاستراتيجيات العسكرية المحكمة للجيش تدحر التمرد..

القوات المسلحة .. من الحفر ب”الأبرة” إلى الدفن ب”اللودر ”

المليشيا تبدأ الحرب بمهاجمة المدينة الرياضية والهجوم على منزل البرهان

الحرس الرئاسي يتصدى ببسالة لمحاولة اقتحام مقر القيادة العامة..

القائد العام يشارك في معركة القيادة ببندقية قناص ..

الطيار طلال يوجه الضربة الجوية الأولى على برج قيادة للمليشيا

تدمير القوى الصلبة للمليشيا وهروب دقلو اخوان من الخرطوم

خروج البرهان من القيادة وتحرير الاذاعة والتلفزيون والقصر والوزارات ابرز احداث العامين

فك الحصار القيادة العامة للجيش باتباع تكتيك عسكري يسمى (التحام الحيوش )

الجيش يحرر الخرطوم وولايتي سنار والجزيرة و العاصمة الخرطوم

خيانة داخلية تؤدي لدخول الجنجويد لودمدني في ديسمبر 2024م

تحرير ودمدني ومدن الحصاحيصا ورفاعة والكاملين من بشريات 2025م

الجيش يحرر جبل موية ويقطع شريان الإمداد الرئيسي للميليشيا

استعادة سنجة في نوفمبر وفتح الطريق القومي نحو سنار

معركة حاسمة بالدندر تنتهي بتحريرها تحت غطاء جوي كثيف

المزموم في قبضة الجيش .. وإعلان سنار خالية من الجنجويد

رفاق جودات استبسلوا في بابنوسة وال دقلو فروا هاربين ..

التحام متحرك الصياد مع الهجانة في الابيض وفك الحصار عن المدنية

الهجانة تصمد وتكبد العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد

تحرير مدينة الرهد والبرهان احتفل مع المواطنين في ام روابة

هلاك ابرز قادة المليشيا على ابواب الفاشر ومازال الصمود مستمراً

تقرير:رحمة عبدالمنعم
في صباح 15 أبريل 2023، انطلقت شرارة الحرب عقب تمرد مليشيا الدعم السريع وإطلاقها الرصاصة الأولى داخل القيادة العامة والمدينة الرياضية بالخرطوم، مستغلةً تمركزها في عدد من المواقع الحيوية بالعاصمة، تمددت نيران الحرب سريعاً إلى ولايات الجزيرة وسنار، حيث واصلت المليشيا زحفها عبر الجنوب والوسط، محاولة فرض أمر واقع بالقوة،لكن بعد عامين من القتال العنيف والمعارك المتواصلة، أعادت القوات المسلحة السودانية رسم الخارطة العسكرية على الأرض. فالعاصمة الخرطوم عادت كاملة إلى حضن الدولة، بعد أن حررتها القوات المسلحة ،كما استعادت السيطرة على ولايتي الجزيرة وسنار، وفكّت الحصار عن الأبيض بعد صمود تاريخي للفرقة الخامسة “الهجانة”، فيما تواصلت البطولات في مدينة الفاشر التي ظلت صامدة أمام موجات الهجمات.
اليوم، يدخل السودان عامه الثالث من الحرب بواقع جديد ومعنويات متقدمة، بعدما كسر الجيش شوكة المليشيا في جبهات استراتيجية وأساسية.

تحرير العاصمة ..الملحمة الوطنية
وفي صبيحة السبت 15 أبريل 2023، استيقظ السودانيون على وقع انفجارات ودوي رصاص كثيف في قلب العاصمة الخرطوم، معلناً بداية حرب دموية شنتها قوات الدعم السريع المتمردة بقيادة محمد حمدان دقلو (حميدتي). أطلقت الرصاصة الأولى من داخل المدينة الرياضية جنوب الخرطوم، حيث كانت تتجمع قوات الدعم السريع، وامتدت الهجمات سريعاً لتشمل منزل القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان. خاض الحرس الرئاسي معركة شرسة للدفاع عن مقر القيادة وبيت الضيافة، حيث شارك البرهان نفسه في صد الهجوم مستخدمًا قناصته.
في ذات الوقت، نفذت المليشيا هجمات متزامنة على معظم مطارات البلاد، بما في ذلك مطارات مروي، الأبيض، الجنينة، نيالا، ومطار الخرطوم الدولي، الذي تسللت إليه عناصر الدعم السريع عبر صالة الحج والعمرة وأحرقت عددًا من الطائرات. في مروي، اغتيل العميد قائد ثاني الفرقة 19، بعد اجتماع كان يهدف لوساطة بين الجيش والدعم السريع. تدمير الطائرات كان جزءًا من خطة حميدتي الرامية لتحييد سلاح الجو، حيث أعلن بفخر في وسائل الإعلام سيطرته على كل المطارات في البلاد.
لكن المشهد تغيّر من قاعدة وادي سيدنا الجوية بأم درمان، حيث اتخذ اللواء طلال علي الريح قرارًا جريئًا بقيادة طائرة غير مجهزة بنفسه، لتوجيه أولى الضربات الجوية إلى برج القيادة التابع للمليشيا في الخرطوم. هذا التدخل الجوي شكل تحولاً نوعيًا في سير المعركة، تلاه صد قوات الجيش لهجوم الدعم السريع على مقر الفرقة التاسعة المحمولة جوا، في ملحمة استشهد فيها البطل عثمان مكاوي ورفاقه.
في فبراير 2024، بدأت بوادر التحول في موازين القوى، حين نفذ الجيش وجهاز المخابرات عملية “التحام كرري المهندسين” عبر متحرك “أسود العرين”، كسر فيها الجيش حصارًا استمر عشرة أشهر حول سلاح المهندسين في أم درمان، مما مهد لانتقاله من وضع الدفاع إلى الهجوم. توالت بعد ذلك العمليات العسكرية، حيث أعلن الجيش في 12 مارس 2024 تحرير مقر الهيئة القومية للإذاعة والتلفزيون بأم درمان بالكامل، في ضربة قاسية للمليشيا.

وفي 26 سبتمبر 2024، شن الجيش عملية عسكرية برية واسعة عبر نهر النيل، تمكّن خلالها من عبور جسور النيل الأبيض والحلفايا، ليحرر مناطق استراتيجية مثل الحلفايا، الأزيرقاب، الكدرو، الدروشاب، الفكي هاشم، السامراب، وشمبات، وصولاً إلى تحرير مدينة بحري بالكامل. ثم جاء التقدم الأهم نحو المقرن وتوتي، تمهيدًا لتحرير كامل الخرطوم.

في يناير 2025، أعلنت القوات المسلحة فك الحصار عن القيادة العامة في الخرطوم بحري بعد التحام وحدات سلاح الإشارة والكدرو بجيوش أم درمان، تزامنًا مع السيطرة على مصفاة الجيلي. وفي 21 مارس، حرر الجيش القصر الجمهوري وكافة الوزارات السيادية وسط الخرطوم، بعد دحر المليشيا من مستشفى الشعب التعليمي، على يد أبطال فرسان المدرعات.
في مارس ذاته، استعاد الجيش حي البركة ومحلية شرق النيل، وبسط سيطرته على حي الوحدة بالحاج يوسف. وبلغت هذه الإنجازات ذروتها في 27 مارس 2025، حينما أعلن رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان من داخل القصر الجمهوري تحرير العاصمة، بعد نزوله بطائرته الخاصة في مطار الخرطوم الدولي لأول مرة منذ بدء الحرب.
وأعلن الجيش في بداية شهر ابريل 2025م عن تحرير محلية جبل أولياء بالكامل بعد تنفيذ عملية نوعية أسفرت عن مقتل أكثر من 60 من عناصر المليشيا وأسر العشرات بجزيرة “أم أرضة” جنوب الخرطوم. وأكد البيان أن هذه العملية شاركت فيها قوات متحرك المناقل الغربي والبرق الخاطف والعمل الخاص، وبذلك تصبح محلية جبل أولياء خامس محليات ولاية الخرطوم المحررة بالكامل،كما توغل الجيش غرب امدرمان وحرر مناطق امبدات وسوق ليبيا
وهكذا، بعد عامين من المقاومة والصمود، حُررت الخرطوم بالكامل من قبضة المليشيا، وفرّت قوات الدعم السريع غربًا، بعد أن تحطمت أوهامهم على صخرة عزيمة الجيش والشعب.

ولاية الجزيرة ..يا اجمل خبر
بدأت مأساة ولاية الجزيرة مع أولى ساعات الحرب في 15 أبريل 2023، حينما سقط اللواء الأول مشاة “آلي الباقير” في عملية خيانة مدبّرة من أحد ضباط المؤسسة العسكرية، لتفتح هذه الحادثة الباب أمام تمدد التمرد داخل محلية الكاملين، حيث ابتلعت قوات الدعم السريع منطقة الباقير ومدينة جياد الصناعية، ثم توغلت نحو المسعودية والمسيد والنوبة وكاب الجداد، في أعقاب سقوط ود مدني، عاصمة الولاية، التي كانت تمثل مركز الثقل الإداري والاقتصادي.
لم تكن الجزيرة، الولاية الزراعية الأشهر والمتاخمة للعاصمة الخرطوم من الجنوب، في حسابات الحرب بالنسبة للسودانيين، خصوصًا وأنها كانت ملاذًا آمنًا للنازحين الفارين من لهيب المعارك في الخرطوم. غير أن المشهد تبدل كليًا في 15 ديسمبر 2023، حين دخلت الولاية رسميًا دائرة الحرب، في تطور شكل صدمة للرأي العام الوطني. وفي 19 ديسمبر، سقطت ود مدني بعد معارك شرسة استمرت نحو أربعة أيام، لتلتحق بها مدن الحصاحيصا ورفاعة والكاملين، وسط انهيار مفاجئ في خطوط الدفاع، ما دفع الجيش إلى الإعلان في اليوم التالي عن انسحاب قواته من مواقعها وفتح تحقيق في الملابسات.
وفي 20 ديسمبر، دخلت قوات الدعم السريع إلى مدينة الحصاحيصا دون مقاومة، حيث أعلنت لجان المقاومة المحلية أن المدينة خلت من أي وجود للجيش أو الشرطة، ما سهل استيلاء المليشيا على مقر رئاسة الشرطة وعدد من الأحياء الطرفية، والسوق الكبير، إلى جانب محالج مشروع الجزيرة، أضخم مشروع زراعي مروي في إفريقيا.
لكن الرياح سرعان ما بدأت تعصف باتجاه معاكس. ففي 11 يناير 2025، أعلن الجيش السوداني عن إطلاق أضخم عملية عسكرية لاستعادة ود مدني، بدأت عبر ثلاثة محاور: محور شرقي انطلق من مدينة الفاو بولاية القضارف، ومحور جنوبي من سنار، ومحور غربي من المناقل، ليفتح بذلك معركة فاصلة لتحرير عاصمة ولاية الجزيرة وقد تكللت العملية بالنجاح وتم تحرير ودمدني في 12يناير 2025م
وجاءت النتائج تباعًا؛ ففي 2 فبراير أعلن الجيش استعادة مدينة الحصاحيصا، ثاني أكبر مدن الولاية، إلى جانب بلدات رفاعة وتمبول والهلالية، قبل أن تتأكد تقارير عسكرية بتحرير الكاملين، التي مثّلت آخر خطوط الدفاع عن العاصمة جنوبًا. ثم كانت الضربة القاصمة في 13 فبراير، حين وصلت القوات المسلحة إلى النقطة الحاسمة: اللواء الأول مدرع في منطقة الباقير، لتعلن استعادته واستعادة كل من المسعودية وجياد والجديد، وتحرير الباقير بالكامل.

سنار انا ..والتاريخ بدأ من هنا
وفي تطورات ميدانية متسارعة شهدتها ولاية سنار خلال عام 2024 وحتى مطلع عام 2025، خاض الجيش السوداني معارك ضارية لاسترداد مدن ومناطق استراتيجية كانت قد سقطت بيد ميليشيا الدعم السريع، التي استغلت أوضاع الحرب للتوسع نحو وسط وجنوب شرق السودان. ففي 25 يونيو 2024، أعلنت الميليشيا سيطرتها على منطقة جبل موية، ذات الموقع الجغرافي الحساس على حدود الولاية، والتي تربط بين ثلاث ولايات حيوية في وسط وغرب السودان. وبعد أربعة أيام فقط، وتحديداً في 29 يونيو، تمكنت الميليشيا من دخول مدينة سنجة، عاصمة الولاية، في تطور ميداني خطير. ومع بداية يوليو، توسع نفوذ الميليشيا داخل سنار، حيث سيطرت على مدينة الدندر في 5 يوليو، وتبعتها مدينة السوكي التي سقطت في أواخر الشهر ذاته.
غير أن الجيش السوداني لم يلبث أن استعاد زمام المبادرة العسكرية، ففي 5 أكتوبر 2024، تمكن من تنفيذ عملية نوعية حرر خلالها سلسلة جبال موية، قاطعًا بذلك طريق الإمداد الرئيسي لميليشيا الدعم السريع في المنطقة. وكانت الميليشيا قد أنشأت قاعدة عملياتية في الجبال منذ سيطرتها عليها في يونيو.
وفي 23 نوفمبر من العام نفسه، استعاد الجيش سيطرته على مدينة سنجة، بعد معارك شرسة ضد الميليشيا، وصفها قائد العمل الخاص بولاية سنار، الرائد فتح العليم الشوبلي، بأنها “المرحلة الأخيرة من تحرير عاصمة الولاية”، معلنًا فتح الطريق القومي الرابط بين سنجة ومدينة سنار.
تواصلت انتصارات القوات المسلحة، حيث استعادت في 27 نوفمبر مدينتي ود النيل وأبو حجار، مما ضيّق الخناق أكثر على بقايا الميليشيا. وفي 23 ديسمبر، نجحت القوات المسلحة السودانية، بدعم من القوات المشتركة لحركات السلام المسلحة والمقاومة الشعبية وجهاز المخابرات العامة، في تحرير مدينة الدندر مجددًا، بعد معارك استخدمت فيها الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والخفيفة، إضافة إلى طائرات مسيرة انتحارية، وتحت غطاء جوي من الطيران الحربي، بحسب ما أفاد الشوبلي.
وكان الجيش قد ألحق في 24 أكتوبر هزيمة موجعة بالميليشيا في الدندر نفسها، إلا أن المدينة ظلت تشهد عمليات كر وفر حتى تم تأمينها بالكامل لاحقًا. وتكمن أهمية الدندر في موقعها الاستراتيجي، إذ تضم الجسر الوحيد على نهر الدندر، مما جعلها هدفًا ذا قيمة عالية عسكريًا.
وفي 5 مارس 2025، وفي لحظة حاسمة وقبيل موعد افطار رمضان بدقائق معدودة، أعلن الجيش بسط سيطرته الكاملة على مدينة المزموم، آخر معاقل الميليشيا في ولاية سنار. وبهذا الإنجاز العسكري، أُعلنت ولاية سنار خالية تمامًا من فلول ميليشيا الجنجويد، بعد أشهر من المعارك التي شهدت فيها القوات المسلحة بسالة في مطاردة العناصر المسلحة وتحرير المدن واحدة تلو الأخرى.

اب قبة ..فحل الديوم
وشهدت ساحة العمليات العسكرية في السودان تطورات ميدانية بالغة الأهمية خلال الأشهر الأخيرة الماضية، تمثلت في فك الحصار عن مدينة الأبيض الاستراتيجية بولاية شمال كردفان، واستعادة السيطرة على مدينة القطينة بولاية النيل الأبيض، بعد معارك شرسة خاضتها القوات المسلحة السودانية ضد مليشيا الدعم السريع. فمنذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، ظلت الأبيض تحت حصار خانق فرضته قوات الدعم السريع، فيما واجهت قوات الفرقة الخامسة “الهجانة” أكثر من 150 هجوماً حاولت المليشيا من خلالها اختراق دفاعات المدينة، لكنها باءت جميعها بالفشل، وكبدت الهجانة العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.
كما فرضت مليشيا الدعم حصاراً على بابنوسة في 22 يناير/ 2024 ،وقد تم فك الحصار بواسطة الفرقة 22 بابنوسة التي شهدت استبسال ابطال القوات المسلحة ودحر الحنجويد وهربوا منها بين قتيل واسير وجريح
وفي تحول نوعي بتاريخ 7 يوليو 2024، تمكنت قوات الجيش من التقدم في منطقة جبل كردفان جنوبي الأبيض، بعد معارك طاحنة استعادت فيها السيطرة على معسكر الاحتياطي المركزي الذي كانت قد تسللت إليه المليشيا لساعات. ووفقاً للصفحة الرسمية للقوات المسلحة، فقد نجحت الفرقة الخامسة في دحر المليشيا وتأمين الطرق والمناطق الحيوية داخل المدينة، معلنة السيطرة الكاملة على كافة المحاور، بما فيها المقرات الاستراتيجية.

وجاء الإعلان الرسمي عن فك الحصار ،حيث أكد الناطق باسم الجيش السوداني، العميد الركن نبيل عبد الله، أن القوات المسلحة في محور الصياد تمكنت من فتح الطريق إلى مدينة الأبيض، والالتحام مع قوات الهجانة، بعد تحرك وحدات عسكرية من مدينة الرهد التي كانت قد تحررت قبل ستة أيام. وتمثل هذه الخطوة تطوراً بالغ الأهمية في سياق المعارك، بالنظر إلى موقع الأبيض الحيوي باعتبارها مركزاً تجارياً وزراعياً بارزاً، وملتقى طرق يمر عبره خط أنابيب النفط الحيوي المتجه إلى بورتسودان،و30 يناير 2025 – أعلن الجيش ، تحرير مدينة أم روابة بولاية شمال كردفان غربي السودان،وفي اليوم الثاني اعلنت القوات المسلحة استعادة مدينة ام روابة وهبطت طائرة القائد العام للجيش الفريق اول البرهان واحتفل مع المواطنين بالنصر .
وفي المحور الأوسط، أعلن الجيش كذلك تحرير مدينة القطينة، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب العاصمة الخرطوم، بعد معارك خاضها أبطال النيل الأبيض الذين تمكنوا من تطهير المدينة من عناصر المليشيا وتدمير آلياتهم. ويعكس هذا التقدم الميداني تنامياً في وتيرة العمليات العسكرية التي يخوضها الجيش في غرب ووسط وجنوب الخرطوم، بهدف استعادة السيطرة على المواقع الاستراتيجية وإنهاء وجود المليشيا في قلب العاصمة.

الفاشر ..مركز التذاكر
وفي ملحمة بطولية استثنائية، تواصل مدينة الفاشر، حاضرة ولاية شمال دارفور، صمودها الأسطوري في وجه مليشيا الدعم السريع والجنجويد، رغم مرور 16 شهراً على اندلاع القتال حولها. فهذه المدينة، التي توصف اليوم بـ”مركز التذاكر” لكثرة من سقطوا من قادة المليشيا على أبوابها، باتت رمزاً للصمود السوداني، حيث تتصدى الفرقة السادسة مشاة، مدعومة بقوات حركتي العدل والمساواة وتحرير السودان، لهجوم تلو الآخر، وتكبد العدو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد. وعلى الرغم من توقّعات بسقوطها في أيام معدودة، إلا أن التحالف العسكري بين الجيش والحركات المسلحة قلب المعادلة وخلق واقعاً جديداً صعب تجاوزه.

الفاشر ليست فقط آخر حواضر دارفور التي لا تزال تحت سيطرة الدولة، بل هي أيضاً مدينة ضاربة في الجذور التاريخية والثقافية، ومنطقة استراتيجية تربط غرب السودان بشرقه، وتُعد شرياناً تجارياً واقتصادياً حيوياً، يسكنها قرابة المليون و800 ألف نسمة. ووسط نيران الحرب، أظهر أهل الفاشر – رجالاً ونساءً، شيوخاً وأطفالاً – صموداً مذهلاً، وشاركوا بكل شجاعة في الدفاع عن أرضهم، بعضهم بالسلاح، وآخرون بالدعم اللوجستي والمقاومة الشعبية، في مشهد يُلهم ويذهل، ويكشف عن معدن شعب تعلّم التكيّف مع الخطر والموت دفاعاً عن الكرامة.

ورغم الحصار المفروض منذ أبريل الماضي، والاشتباكات العنيفة التي تجاوزت الـ190 معركة، لم تفلح المليشيا في اقتحام المدينة. وجاء ذلك بفضل استراتيجية عسكرية دقيقة نفذها الجيش والقوات المشتركة، ارتكزت على نصب دفاعات متقدمة خارج المدينة، ودعم جوي مباشر من الطيران الحربي، وتفوق استخباراتي كشف تحركات العدو قبل حدوثها، بالإضافة إلى تنسيق محكم بين القوات النظامية والمقاتلين المحليين. ورغم محاولات التسلل الليلي والاختراق عبر خلايا نائمة داخل المدينة، فإن القوات المدافعة استعادت زمام المبادرة في كل مرة، ونجحت في قلب الموازين وإعادة السيطرة على المواقع التي يتقدم إليها العدو.

الفاشر اليوم ليست مجرد مدينة تقاوم، بل هي عنوان لمقاومة وطنية عنيدة في وجه مليشيا لا تتورع عن استخدام أقذر الأساليب. وهي أيضاً مرآة لمأساة صامتة، يشاهدها العالم من بعيد، دون أن يمد يد العون لأطفال ونساء وشيوخ يقاومون الجوع والمرض والحصار، ويواجهون الموت بصبر وصلابة نادرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top