كبسولة وعي من يكتب البيان رقم (1)؟ الجنرالات المدنيّون في مسرح الانقلابات السوداني صباح المكي

كبسولة وعي
من يكتب البيان رقم (1)؟
الجنرالات المدنيّون في مسرح الانقلابات السوداني

صباح المكي

وفي ذروة الوقاحة السياسية، لوّحت تلك النخبة بـ”الشارع “..

تحالفوا مع بندقية الميليشيا على “اتفاق إطاري” صيغ في غرف مغلقة..

هتفوا بـ”الانتقال المدني”، ثم انتقلوا هم فقط… من الوطن إلى الخارج..

منذ فجر الاستقلال، ظلّت الانقلابات تُحمَّل وحدها وزر الانكسار السياسي في السودان، بينما خرجت النخب المدنية من كل أزمة كما دخلتها: بوجوه ملوّنة وأجندات مستترة.
لم تكن الانقلابات سوى واجهة صاخبة لأزمة أعمق، تُدبَّر من خلف الستار، ويكتب بيانها الأول قلمٌ مدنيّ… ثم يتبرأ منها.

وفي كل مرة، يتبدّل القناع — مرة باسم الثورة، وأخرى باسم الانتقال، وثالثة باسم التوافق — وتبقى الغنيمة ثابتة: سلطة تُقتسم في الظل، مناصب تُوزّع بين المقرّبين، ومحاصصات تُحاك في غياب الشعب.

أما الوطن، ففي حفلة التهافت على السلطة، يُلقى به في الزاوية ككرسيّ بلا ساق، يُنسى عمدًا بين موائد المحاصصة، ويتحوّل من “قضية وطنية” إلى بند هامشي في دفتر التفاهمات.

كل شيء قابل للتفاوض: الكراسي، البيانات، الشعارات… إلا الوطن، فهو دائمًا خارج التغطية، يُترك في المؤخرة، ينتظر دوره الذي لا يأتي.
هذا المقال ليس سردًا لتاريخ الانقلابات، بل كشفٌ لتواقيع صاغت الفوضى وادّعت الثورة، وفضحٌ لذاك القلم الذي يرسم مسار الرصاصة… ثم يرفع لافتة “الحرية”.

*مدنيّون في الظل… وعسكر في الواجهة*

منذ استقلال السودان عام 1956، ظلّت الأنظار مشدودة نحو “الانقلابات العسكرية” بوصفها العائق الأول أمام التحول الديمقراطي، بينما تُرك جذر الأزمة يتغذّى على الغفلة: نخب مدنية تتبدّل في الأقنعة وتتّحد في الغنيمة. شعارها “الحرية”، وسلوكها “التسلط من خلف الستار”.

وعلى عكس الرواية الشائعة، لم تكن المؤسسة العسكرية هي من ابتدأت مسرحية الانقلابات، بل كانت في الغالب أداة تنفيذ، والسيناريو يُكتب في مطابخ الأحزاب، وحده انقلاب المشير سوار الذهب في أبريل 1985 خرج عن النص، حين أوفى بوعده وسلّم السلطة طوعًا لكنه، وإن نأى بنفسه عن اللعبة السياسية وفاءً بالعهد، لم يجد من يسلّمها إلا للنخبة ذاتها التي أوصلت البلاد إلى حافة الإفلاس السياسي وصنعت الأزمات، فسلّمها الحكم مضطرًا، في لحظة كانت الخيارات فيها محدودة، والدولة مثقلة بتغلغل قوى الخراب في مفاصلها، راجيًا في نفسه ألا تُلتَهَمَ الدولة كما تفعل دائمًا: بشهية مفتوحة وذاكرة مغلقة.

أما المشهد الافتتاحي لهذا العبث، فقد بدأ في 17 نوفمبر 1958، حين سلّم عبد الله خليل — رئيس وزراء حزب الأمة آنذاك — السلطة للفريق إبراهيم عبود، بدافع كيد حزبي مكشوف، في أول صفقة سياسية “تحت الطاولة”. لم يكن انقلابًا بمفهومه العسكري الصرف، بل عقد إيجار للسلطة بين مدنيّ يتقن المناورة وعسكريّ قَبِل العرض، كانت صفقة مكتملة الأركان، دبّرتها نخبة مدنية ارتضت أن تحسم صراعاتها عبر البندقية لا عبر الصندوق.

ثم جاء العقيد جعفر محمد النميري بانقلاب 25 مايو 1969، محمولًا على أكتاف الشيوعيين والبعثيين والقوميين العرب، الذين لم يلبثوا أن انقلبوا عليه لاحقًا. وفي 19 يوليو 1971، شهد السودان انقلابًا قصير الأجل قاده الرائد هاشم العطا بدعم من الشيوعيين. لم يحظَ بدعم الداخل، وأثار عداء الخارج، فانتهى خلال ثلاثة أيام فقط.

أما الإسلاميون، فدخلوا المسرح بانقلاب 30 يونيو 1989، كتبوا بيانه الأول بلغة الوحي، وحكموا بثقافة السوق. جعلوا من الدين مطيّة، ومن الخصخصة عقيدة، ومن الدولة غنيمة، لم يكن انقلابهم سوى قفزة ناعمة نحو التمكين، مغلّفة بفقه الطاعة، انتهت بتمزيق الدولة وتفكيك مؤسساتها تحت لافتة “المشروع الحضاري” — ورغم ما تحقق خلال تلك المرحلة من تطور محدود في بعض القطاعات، لا سيما في مجال التصنيع العسكري، إلا أن المشروع في مجمله ترك وراءه تحديات عميقة على مستوى الدولة والمؤسسات، وخلّف واقعًا سياسيًا واقتصاديًا هشًا تحت لافتة “النهضة”.

وخلف كل هذه التحوّلات، ظلّت النخبة المدنية تتحرّك كظلّ بلا جذور ولا ملامح. لا تملك مشروعًا ولا شرعية، ولا تجرؤ على الاقتراب من السلطة دون حراسة بندقية. لا تصعد إلى الحكم إلا مرافَقة بسلاح غيرها: مرّة على ظهر دبابة، ومرّة خلف ميليشيا، ومرّات تحت عباءة سفارة. لا ترى في الدولة وطنًا، بل صفقة. ولا في السلطة مسؤولية، بل غنيمة. ترفع شعار “المدنية”، لكنها لا تحكم إلا بحماية السلاح، ولا تصمد إلا في ظلال الوصاية الدولية. توقّع على خرائط الطريق، وتدّعي تمثيل الثورة… بينما ترتهنها في أسواق المصالح، وتساوم على دم الشهداء في صالات الانتظار الدبلوماسي.

*ديمقراطية “المدنيين الجدد*”
وفي عام 2018، خرج الشعب وحده، يصرخ من عمق الجراح مطالبًا بالحرية والسلام والعدالة، لكن النخبة السياسية لم تتأخر في اللحاق به — لا لتعضد حراكه، بل لتختطفه. دخلت بثياب الثوار، كأنها من خطّت الشعارات بدمها، ولم تكن يومًا في مرمى الرصاص، ولا في صفوف من دفعوا الدم ثمنًا، ولا بين الذين ارتقت أرواحهم يوم مجزرة الاعتصام. كانت تراقب من نوافذ المنظمات، وتعدّ تقاريرها بلغة المانحين لا الميادين. تقمّصت دور المناضل، واقتحمت الميدان لتدّعي البطولة وتقاسم الغنيمة تحت لافتة “الانتقال المدني”.

وفي ذروة الوقاحة السياسية، لوّحت تلك النخبة بـ”الشارع الذي تزعم امتلاكه”، مهدِّدةً به المؤسسة العسكرية نفسها، ومعلنة أنها صاحبة التفويض الشعبي، وأنها وحدها من يقرّر من يُحاسَب… ومتى.
هتفوا بـ”الثورة”، ثم وقعوا اتفاقًا. تحالفوا مع بندقية الميليشيا على “اتفاق إطاري” صيغ في غرف مغلقة، تحت رعاية السفارات، وبمباركة الأمم المتحدة عبر بعثتها “يونيتامس”. اتفاقٌ، لو عُرض على الشعب في استفتاءٍ حر، لما نال حتى 1٪ من القبول.

نَصَّبُوا أنفسهم أوصياء على الشعب، وحكّامًا بأمره، وتحدثوا باسمه دون إذنه، ودون تفويضٍ أو شرعية. امتهنوا طعن الوطن في الظهر، بينما يدّعون الدفاع عن “المدنية”.
وكلما فشل انقلاب أو انكشف تحالف، غسلت وجهها بشعار جديد، واستعارت قاموسًا قديمًا.
هتفوا بـ”السلام”، ثم شرعنوا أمراء الحرب.
هتفوا بـ”الانتقال المدني”، ثم انتقلوا هم فقط… من الوطن إلى الخارج.

قالوا لنا: “إما الإطاري أو الحرب”. فاختاروا الحرب، ثم نَصَّبُوا أنفسهم “الحلّ المدني” بعد أن أشعلوا الحريق بأيديهم. ثم تسابقوا على أدوار الغلمان في بلاط القوى الأجنبية، يتزاحمون على أبواب السفارات ويتهافتون على الفتات. لم يكونوا قادة ثورة، بل سماسرة مرحلة، يوقّعون باسم من لم يفوّضهم، ويرهنون البلاد في مزاد جيوسياسي لا مكان فيه للسيادة.

تلك هي ديمقراطية “المدنيين الجدد”: محاولة انقلاب بيد ميليشيا، ونخبة تتنقل بين الأحضان الدولية؛ اليوم في باريس، وغدًا في أديس، وبعده في عواصم الخليج. نخبة لا تعرف الثبات إلا على الكرسي، ولا تصعد إلا عبر بوابة عسكرية، أو نافذة سفارة، أو دهليز اسمه “المجتمع الدولي”.

*خاتمة: من لم ينقلب بعد؟*

فما نشهده اليوم ليس إلا حلقة مُعادة من مسلسل الرداءة، بموسم جديد وممثلين ببدلات مدنية. مدنيون يحيكون الانقلابات، ثم يتبرّأون منها. يذرفون دموع التماسيح على الدولة، وهم من باعوها بسعر زهيد — باسم “االثورة”، و”الإطاري”، و”الانتقال”، وسائر الشعارات المنتهية الصلاحية.وفي كل مرة، يدفع الشعب الثمن.
وبينما تقرأ الأمم المتحدة بيان الإدانة رقم (999)، وتراجع السفارات مسوّدة الاتفاق رقم (1001)، يُدوّن الشعب وحده بيانه، على جدران الأسى والحزن، بصلابة المكلوم:
لا عودة لمن خان، ولا شرعية لمن وقّع، ولا غفران للمتواطئين.

ما يغمرنا اليوم غمامة خيانةٍ تتكاثف فوق وطنٍ منهك؛ عباءة نفاقٍ ترتديها النخب كلما افتضح زيفها وضاق بها النور. في وطنٍ طُعن من خاصرته لا من عدوه، وأُنهك لا بسلاح الغزاة بل بخيانات الداخل، لم يعد السؤال: من انقلب؟ بل: من لم ينقلب بعد؟ كل انقلابٍ صار له ناشط، وكل ميليشيا لها ناطق، وكل خيانة لها اسم حركي: “مدنية انتقالية”.

هو ظلّ وطنٍ غدر به بعض أبنائه قبل أن تطاله سيوف أعدائه، وتركوه نهبًا للميليشيا وتواقيع السفراء. هذا الوطن لم تفتك به رصاصة، بل خذلته أقلام من ادّعوا النضال، وتواقيع من استعاروا اسمه.

فإذا كان العسكر يُلامون على التدخل في السياسة، فإن من حقهم أن يُسائلوا الطبقة السياسية: ماذا فعلتم حين أُعطيت لكم السلطة باسم “المدنية”؟
فليكن واضحًا: ليست الأزمة فيمن يحمل البندقية، بل فيمن يكتب له البيان رقم (1) من خلف ستار… ثم يدّعي البراءة باسم “المدنية”.؛ أولئك الذين يرون السلطة غنيمة لا مسؤولية، ويختزلون الوطن في مناصب، وينسون ما يحتاجه فعليًا ليَنهض ويسترد عافيته.

وبين قرقعة السلاح، وجلبة التصريحات، والعراك على المحاصصات، يظلّ الشعب وحده صاحب الأرض، والحقيقة، والدم. يُقاوم، ويفضح، ويكتب النور بيده — لا ببيانات تُصاغ في العواصم.
فالتاريخ لا يكتبه المنتصرون فقط، بل يدوّنه من بقي واقفًا حين سقط الجميع.

#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top