حاطب ليل
بروفيسور عبداللطيف البوني:
(ويا ميلة بختك يا أمة السودان)!
أكمل الإنجليز ما بدأه الأتراك في 1821 من تحديث للدولة المسماة السودان بحدودها التي استمرت حتى 2011… وكان يمكن أن يكون اسمها غير السودان وتكون حدودها ليست تلك، ولكن حدث ما حدث.. وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى…
من سمات الدولة الحديثة ــ غير حدودها المعترف بها دوليًا وعاصمتها وعملتها وعلمها ونشيدها الوطني وحاجات تانية حامياني ــ أن يكون فيها طبقة سياسية بشقيها: حاكمة ومعارضة، وهذا يعني بالضرورة وجود أجندة سياسية متعارضة، وكلما تقاربت هذه الأجندة المتعارضة كلما كان هناك استقرار سياسي، وكلما تباعدت يحدث العكس.
الطبقة الوطنية السياسية السودانية عند النشأة كان التعارض في أجندتها حول: الاستقلال الكامل أم الاتحاد مع مصر؟ فاستقل السودان، ولكن رغم ذلك استمر الخلاف على أجندة جديدة لا تعدو أن تكون “طق حنك”…
ثم ظهرت الحركة الشيوعية فحاولت أن تفرض أجندة جديدة، فرفعت شعار “الصراع الطبقي”… وبما أن الطبقات لم تتبلور بعد في السودان، حاولوا طرح برامج توعوية أخرى كالحداثة والتقدمية والذي منه، فاخدوا عرضتهم…
ثم ظهرت الحركة الإسلامية كحركة أممية أخرى مناهضة للشيوعية، فطرحوا شعار “الدولة الإسلامية” مقابل “الدولة العلمانية”، ومثلما فشل جند الصراع الطبقي، فشل جند الصراع الديني، ولكن ظلت الحركة تمارس السياسة بتكتيكات مختلفة قائمة على قوة التنظيم، فاخدت عرضتها، وكانت عرضة صقرية ما زالت كتاحتها معكلبة…
ثم جاءت الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق، فطرحت صراع المركز والهامش، ونجحت في تغيير حدود السودان، ولكنها لم تنجح في إيجاد استقرار في البلدين، مما يشي بأن النظرية لحقت بنظرية الصراع الطبقي والصراع الديني، أي دخلت التلاجة هي الأخرى…
السياسيون الذين تحاشوا النظريات الثلاث ظلوا يتخبطون في برامج سياسية: قومية عربية، قومية أفريقية، وكلها دخلت التلاجة، والآن في الساحة الأجندة السياسية المطروحة تتراوح بين المدنية والليبرالية الحديثة، وهذه من الضعف بمكان… وهناك الجهوية والمناطقية وتنحدر إلى العنصرية والقبلية، وكل هذه مختلطة مع بقايا من الثلاثة المذكورة أعلاه.
فنحن اليوم في السودان المتبقي نعيش راهنًا سياسيًا في غاية البؤس، كل الأجندة السياسية أصابها الاهتراء فأصبحت عجفاء… ويا ميلة بختك يا أمة السودان!
السياسة مثل الطبيعة لا تعرف الفراغ، فطالما الأجندة الداخلية أصابها البوار، كان لابد من أن تزحف أجندة خارجية لتملى هذا الفراغ، ولعل هذا ما حدث، إذ يدفع الشعب السوداني الفضل… دمه وروحه وماله وعرضه نتيجة هذه الأجندة الخارجية… لقد أصبحنا عشبًا تتعارك فيه الأفيال… ويا ميلة بختك يا أمة السودان!
ولكن مهما كان حجم المكون الخارجي كبيرًا، لا بد له من مكون محلي ــ مهما كان صغيرًا ــ لكي يستند عليه، ولن نبعد النجعة إذا قلنا إن هذا المكون المحلي الآن يتمثل في القبلية والعنصرية، فهذه هي البضاعة السياسية الرائجة في السودان الآن، والخارج جاهز لشرائها ليفتّت بها السودان، وفي أحسن الأحوال للسيطرة على موارده المهولة… ويا ميلة بختك يا أمة السودان!
فيا جماعة الخير، إذا أردنا أن نمسك الدرب من قعره… وبلغة حديثة إذا أردنا أن نعالج جذور المشكلة، فالمشكلة المطروحة الآن هي الارتداد للمكونات الأولية: من قبلية وعنصرية وجهوية، وأكاد أجزم أنها أوهن من تلك الطبقية والدينية والتهميشية، لولا أن الخارج ينفخ فيها بضخ السلاح والأموال…
السودان دا كله لحم راس، وليس فيه أي نقاء عنصري، وكل قبائله وعناصره متداخلة أو قابلة للتداخل والتدامج… الصراع السياسي المستند على هذا التنوع ــ بعد أن حوّله إلى تباين ــ صراع مصنوع، قوامه طموحات شخصية ومال سياسي خارجي… ويا ميلة بختك يا أمة السودان!
المطلوب الآن، وبأعجل ما تيسّر، حملة وعي لكشف زيف القبلية والعنصرية، فالعالم كله متنوع في الحتات دي، فلماذا “قندول” السودان وحده الذي يشنقل الريكة؟ لماذا يتحول هذا التنوع إلى تباين ليصبح عنصر توتر وصراع وفتك ومتك والذي منه؟ إنها طبقة “الرمتلة” السياسية والخارج المتربص…
ألا يكفي ما عشناه ونعيشه من نار وعذاب بأن يوقظنا ويعدل دربنا؟
ويا ميلة بختك يا أمة السودان.






