حاجب الدهشة علم الدين عمر عبدالرحمن المهدي..كلاكيت مرة ثانية..بأدوات العصر وعبقرية الحقاني..

حاجب الدهشة
علم الدين عمر

عبدالرحمن المهدي..كلاكيت مرة ثانية..بأدوات العصر وعبقرية الحقاني..

..كنتُ آخر من حاور الإمام الراحل الصادق المهدي للتلفزيون قبل وفاته بفترة قصيرة لقناة الهلال الفضائية ..تلك الحلقة التي رتبها مدير مكتبه الوفي الحبيب محمد زكي بمحبة.. وحرصت خلالها أن أجالس الإمام الكبير (أوف ريكورد) بتوصية من والدي الراحل (إبن خالة الإمام) رحماً .. حرصاً منه علي لمة صالون العيد ذاك العام والذي أجتمع له علي هوامش الحلقة عدد من قيادات حزب الأمة التاريخية وعلي رأسهم عمنا محمود خريف جبران أحد نقابيي حزب الأمة وأعيان قبيلة المسيرية الكبار ..تناقشت مع الإمام في قضية التوريث والبيت المهدوي فقال لي نصاً أن التأهيل والقبول هو الفيصل لمن أراد الزعامة ..ولذلك لم يكن بيان الأمير عبدالرحمن الصادق المهدي الأخير بالنسبة لي مجرد تعقيب عابر على خلافات داخلية بحزب الأمة القومي.. بل كان بمثابة زلزال سياسي أعاد ترتيب الأوراق داخل الحزب الوطني الكبير والبيت المهدوي.. ففي الوقت الذي بدا فيه أن التيار الهش.. المتمثل في فضل الله برمة ناصر والواثق البرير وآخرين قد تمكن من سرقة المشهد.. خرج عبدالرحمن المهدي من بعيد..ليضع النقاط على الحروف.. وليؤكد أن زمن المواربة قد إنتهى.. وأن القيادة تُنتزع بالصبر والرصيد والتجربة..الذين يعرفون تفاصيل البيت المهدوي يدركون أن الإمام الراحل الصادق المهدي لم يكن يخطئ حساب المستقبل.. فقد فطن مبكراً لأن الحزب والكيان يحتاجان إلى شخصية صلبة..مؤهلة ومقبولة للمرحلة القادمة من عمر السودان .. حتى وإن تطلب الأمر أن “يحترق” آخرون من آل البيت في سبيل إنضاج هذه التجربة.. عبدالرحمن كان ذلك الرهان.. ضابطاً كبيراً في القوات المسلحة.. إكتسب من العسكرية ما لم يكتسبه غيره من آل المهدي من إنضباط وصلابة وخبرة..وبساطة.. مضى بترتيب الإمام ليكون مساعداً للرئيس الأسبق عمر البشير.. ثم لعب دوراً محورياً في مشاورات ما بعد ثورة ديسمبر.. قبل أن يعود مرة أخرى إلى صفوف الجيش مقاتلاً في معركة الكرامة منذ يومها الأول..
هذه السيرة ليست محض محطات وظيفية..بل هو إعداد متدرج لقائد ميداني يعرف معنى التضحية.. ويملك ما يكفي من الشرعية الوطنية ليتحدث بإسم حزب الأمة وكيان الأنصار..ليس بصفة الوريث بل الزعيم المجرب الصابرا على الأذى وظلم ذوي القربى..
البيان الأخير لم يكن فقط دفاعاً عن حزب الأمة.. بل كان إعلاناً بانتهاء مرحلة المساومات الهشة.. وفضحاً لزيف كثير من الأسماء التي تصدرت المشهد على حين غفلة..فقد أتضح أن بعض هؤلاء لم يتورع عن الإرتماء في أحضان مليشيا الدعم السريع وحواضنها السياسية..فيما ظل آخرون أسرى مواقف مترددة تراهن على صعوبة القضاء على المليشيا.. فكان الحياد السالب هو موقفها المعلن ..البائس وبين هذا وذاك.. إنسحب بعض آل المهدي إلى الظل..أو تقوقعوا في زوايا النسيان..أو أختاروا موقف مثل موقف مبارك الفاضل..
أما عبدالرحمن فقد إختار أن يكون في قلب المعركة..في المدرعات مع جنوده وضباطه.. حيث أثبت وطنيته وقيادته قولاً وعملاً.. ومن هنا جاءت قوته..فهو لم يكتف بالكلام.. ودفع ثمن الموقف صموداً وثباتاً في الصفوف الأولى..
ببيان السيد عبدالرحمن لم يعد هناك مكان للطامعين في إستمرار الروافع العائلية أو الباحثين عن مجد شخصي على حساب تاريخ الحزب.. سقطت كل الأقنعة.. ولم يعد الشعب السوداني راغباً في توريث القيادة أو تجريب المجرب.. فسعادة الفريق جمع بين إرث البيت المهدوي وتجربة الدولة الحديثة..وهو إمتداد للأئمة محمد أحمد وعبدالرحمن والصادق..بأدوات العصر والجيل الجديد.. لا يخشى التحديث والمواكبة.. ويرى في الماضي زاداً وليس قيداً..التحدي الذي يخوضه عبدالرحمن الآن لا يتوقف عند حدود إستعادة الحزب من مختطفيه..بل يتجاوزه لإعادة التأسيس على أسس جديدة تستبعد الطارئين والدخلاء.. وتعيد صياغة العلاقة بين الطائفة والدولة.. بين الزعامة الدينية والسياسة الوطنية.. هذه المعركة هي الأخطر.. لأنها لا تتعلق بمناصب أو لافتات.. بل بمستقبل حزب الأمة كأكبر حزب سوداني من حيث التاريخ والقاعدة الجماهيرية.. عبدالرحمن اليوم يملك أغلبية صامتة تقبله بلا تردد.. أغلبية ترى فيه القائد الذي خرج من بين صفوفها..قاتل معها.. وصبر حتى حانت لحظة ميلاد زعامة جديدة.. ويعلمون كذلك أنه وصية الأمام وترتيبه وتدبيره..
زعامة لم تأت عبر صفقات أو تحالفات ظرفية.. بل عبر رصيد شخصي متين.. وتجربة حقيقية خاضها بدمه وعرقه وصبره.. فهنا تتجلى عبقرية الإمام الراحل في إعداد إبنه..وقدرة عبدالرحمن على الصمود حتى أتيحت له الفرصة..لإستعادة الحزب والطائفة.. اليوم يقف عبدالرحمن الصادق المهدي على أعتاب مرحلة تاريخية..من عمر الحزب والدولة والبيت والمجتمع ..مرحلة قد تعيد للسودان بعضاً من توازنه المفقود..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top