حاجب الدهشة
علم الدين عمر
وزارة الإعلام ولينا..فواتير واجبة السداد..!!
بالأمس سألني بعض الزملاء عن رأيي في ما أثاره قرار وزارة الإعلام بسحب ترخيص مديرة مكتب قناتي “العربية” و”الحدث” بالخرطوم.. الزميلة لينا يعقوب من جدل في الأوساط الإعلامية والسياسية..حيث أنشغلت مجموعات الصحفيين وبعض المجموعات الهجين بين قيادات المجتمع والسياسيين والإعلاميين بالأمر لساعات طويلة ..خصماً علي زمن المعركة الأساسية وتحدياتها.. وبطبيعة الحال إنطلقت أصوات منددة معتبرة القرار مساس بحرية الصحافة والتعبير.. لكن.. إذا وُضع القرار في سياقه الطبيعي.. فإن الحملة ضد الوزارة تبدو فارغة من المضمون..خاصة وأن الأمر يتعلق بممارسة الدولة لحقها الأصيل في التنظيم والمساءلة..
الزميلة والصديقة لينا يعقوب صحفية متميزة.. صاحبة خبرة ممتدة..وعلاقات واسعة داخل الوسط الإعلامي..ومهنيتها معلومة للزملاء والمتابعين.. غير أن تميزها وعلاقاتها لا يمنعانها من الوقوع في الخطأ أو التجاوز.. فهي – كغيرها – تعمل تحت ضغوط كبيرة..سواء من طبيعة المهنة التي لا تخلو من التقديرات المتباينة.. أو من خط القناة التحريري الذي يفرض أحياناً مسارات محددة.. وهذا أمر مفهوم..لكنه لا يعفيها من المسؤولية..ولا يجعلها بمنأى عن قرارات قد تراها الدولة ضرورية في ظروفها الزمانية والمنطقية..ما يجب تثبيته هنا هو أن هذا الحق لا ينتقصه اعتراض أو تضامن.. فوزارة الإعلام مسؤولة عن ضبط المشهد..وحماية القوانين واللوائح..بل وحماية الصحفي والاعلامي نفسه من الإنزلاق لمساحات يمكن تلافيها بالاجراءات والقرارات.. وهي لا يمكن أن تقف متفرجة على أي تجاوز لمجرد أن صاحبه يحظى بمؤازرة من زملائه أو جهات أخرى.. التضامن طبيعي ومفهوم في مهنة الصحافة..لكنه لا يجب أن يتحول إلى حصانة تعطل سلطة الدولة أو تُصادر حقها الأصيل في إدارة شؤونها..
المشهد الإعلامي السليم يقوم على معادلة دقيقة..حرية الصحافة من جهة.. وحق الدولة في التنظيم من جهة أخرى..الصحافة تؤدي دورها في الرقابة والنقد..والإعلام يسعى إلى توصيل المعلومة والرأي..وفي المقابل، تحتفظ الدولة بحقها في وضع الضوابط والتقديرات اللازمة.. هذه العلاقة المتوازنة لا تعني عداءً متبادلاً.. بل هي ضمانة لسلامة العمل العام.. خصوصاً في ظروف إستثنائية كالتي تمر بها البلاد.. حيث تفرض المرحلة قدراً أكبر من الإنضباط والمسؤولية..وقد عجبت للزملاء الذين يدعون لإنسحاب الدولة بالكامل عن مشهد الرقابة والمتابعة وكأنهم يبحثون عن دولة الفوضي وسيادة التخبط علي أنقاض الحرب في السودان..
قرار الوزارة لا يطعن في وطنية لينا يعقوب..ولا يقلل من مكانتها المهنية..هي صحفية بارزة.. وربما تدرك أكثر من غيرها أن العمل الإعلامي محفوف بالمخاطر.. وأن الأخطاء والتقديرات الخاطئة جزء من طبيعة المهنة.. التضامن معها مفهوم..لكنه لا يعفيها من الخضوع للأنظمة واللوائح التي تسري على الجميع دون أستثناء.
وزير الإعلام خالد الإعيسر يقوم بمسؤولياته وفق تقديرات منصبه.. وليس من الإنصاف أن تتحول كل خطوة يتخذها إلى مادة للتجريم والتشكيك.. بلادنا ليست في وضعها الطبيعي.. والقرارات قد تكون صعبة أو مثيرة للجدل..لكنها تأتي في سياق حماية الدولة ومحاولة فرض الإنضباط في هذه المرحلة المضطربة..إن دعم حرية الصحافة لا يتناقض مع دعم قوامة الدولة..ولينا ستظل صحفية معروفة وموهوبة..وسنظل ندعم بعضنا في هذا الوسط ..وندعم دولتنا كذلك ..ومؤسساتها..أما وزارة الإعلام.. فإن دورها في التنظيم والتحصين مطلوب أكثر من أي وقت مضى لأن الدولة لا يمكن أن تصمد من دون مؤسسات قوية وقرارات نافذة..ومحصنة ومحمية بإرادة حقيقية وفواتير واجبة السداد..






