على كل
محمد عبدالقادر
(بارعٌ) في تقديمِ المبادراتِ و(ناجحٌ) في صناعةِ الفَرْقِ لمصلحةِالجماهيرِ..
◼️الراحلُ إيلا.. سِرُّ القَبولِ الكبيرِ..
* يهرعُ الناسُ لسيرته كلما استبدَّ بهم البحثُ عن قائدٍ نَظيفٍ*
*حينما كان واليًا للجزيرةِ أعاد (سيارةَ برادو) وقطعةَ أرضٍ أُهديتا إليه..*
*خصَّص الأرضَ المُهداةَ إليه لـ”مستشفى سَرَطانٍ” وتبرّع من جيبِه للبناء…*
*زاد مشروعاتِ التنميةِ بالجزيرةِ بعد “إغلاقِ مواسيرِ” تسريبِ المالِ العام.*..
ياللفجيعةِ.. مات محمد طاهر إيلا، رمزُ التجويدِ والإنجازِ بعد أن ملأ الدنيا وشغل الناس،وحاز على احترامِ المختلفين معه سياسيًّا وفكريًّا قبل ثقةِ ومحبةِ من يتفقون معه في الرؤيةِ والتوجّهِ والهدفِ..مات رجلٌ “متفقٌ عليه” مثلَ أنموذجٍ للسياسيِّ الصادقِ حينما يكونُ في “خدمةِ الناسِ”،والقياديِّ الصادقِ حين يحوزُ على ثقةِ ومحبةِ الجماهيرِ،وقد تقاسمت محبته بالتساوي، بعيدًا عن الانتماءِ والأيديولوجيا.
رحل الجسدُ وبقيت المآثرُ والسِّيَرُ والحكاياتُ شاهدةً على تاريخِ رجلٍ استثنائيٍّ،ذاق السودانيون معه طعمَ التنميةِ والإنجازِ، واطمأنّوا في رحلتهِ لوجودِ رمزٍ مُلهِمٍ ووطنيٍّ نبيلٍ وابنِ بلدٍ غيورٍ..رحل محمد طاهر إيلا بكلِّ فخامةِ الاسمِ وزخمِ التجربةِ المكلَّلةِ بالنجاحاتِ والإنجازاتِ والتميّزِ،وجعلنا نردّد حقًّا: “بلدًا مافيها إيلا… يا حليلَا”،النغمةُ التريند التي لاحقت تجربته في حكمِ الإنقاذ، وزيرًا وواليًا ثم رئيسًا للوزراء، وحتى بعد تقاعدِه عن الخدمةِ.
لم يكن إيلا بأقلَّ جماهيريةً من الأحزابِ الكبيرةِ و(الهلالِ والمريخِ) حين كان حاكمًا ضمنَ منظومةِ الإنقاذِ وبعد أن تقاعدَ عن المناصبِ العامةِ،الرجلُ يتكئُ على رصيدٍ وافرٍ من ثقةِ الناسِ في عطائهِ ومواهبهِ في الاستثمارِ والاقتصادِ والتنميةِ،ودُرْبَتِهِ السياسيةِ وقدرتهِ على التفكيرِ خارجَ الصندوقِ.
من المفارقاتِ العجيبةِ أنني كتبتُ عن جماهيريته في الرابعِ من أكتوبر عامَ 2022،حينما استقبله المواطنون بمحبةٍ أسطوريةٍ وهو يعودُ إلى البحرِ الأحمر، بعد سقوطِ الإنقاذ،وها أنذا أرثيه اليومَ بعد ثلاثةِ أعوامٍ ويومٍ واحدٍ، إذ رحل إيلا اليومَ الموافقَ السادسَ من أكتوبر بالقاهرة…
محمد طاهر إيلا مثَلَ أيقونةً لتجلياتِ الحكمِ الراشدِ في أبهى صورِها،وظلَّ قيمةً مفقودةً يهرعُ إليها الناسُ كلما استبدَّ بهم وجعُ البحثِ عن قائدٍ نَظيفٍ ومسؤولٍ خلّاقٍ وملهمٍ..سِرُّ القَبولِ الكبيرِ الذي يجدُه إيلا، يستدعي ما فعله الرجلُ لحظةَ أن كان حاكمًا على ولايتي البحرِ الأحمرِ والجزيرةِ ورئيسًا لوزراءِ السودان ووزيرًا في حكومةِ الإنقاذ.
ما زلتُ أذكرُ يومَ أن أعاد إيلا حينما كان واليًا للجزيرةِ (سيارةَ برادو موديل العام) أُهديت إليه،وتبرّع بقطعةِ أرضٍ درجةٍ أولى خُصِّصت له في حيِّ (الزمالك الراقي) بود مدني لتكونَ مشفىً لمرضى السرطان،لم يكتفِ إيلا بهذا الأمرِ فحسب، وإنما زاد من سماحتهِ وزهدِه واستقامتهِ كيلَ بعيرٍ،وهو يتبرّع بمبلغِ (100) ألفِ جنيهٍ من جيبه الخاصِّ لبناءِ المستشفى.
تذكرون كيف كانت ميزانيةُ ولايةِ الجزيرةِ تتجاوزُ بنودَ الموازنةِ إلى الحدِّ الذي أزعج مجلسَها التشريعيَّ،فاستدعى الوالي إيلا وقد أفاضَ على الولايةِ من مشاريعِ التنميةِ،يسألُه: من أينَ لك هذا؟ وأنت تزيدُ المدارسَ والمستشفياتِ وتُضاعفُ الطرقَ ومساحاتِ الإنترلوك،فيجيبُهم أنه لم يفعلْ شيئًا سوى إغلاقِ مواسيرَ كانت تستحلُّ المالَ العامَّ وتسربُه إلى جيوبِ المنتفعين من عطالةِ السياسةِ وأصحابِ الأجندةِ والمصالحِ الخاصةِ.
لم يكن مستغربًا أن يتمَّ كلُّ هذا الاستقبالِ الحاشدِ لإيلا،فالرهانُ على نزاهةِ الرجلِ لم يكن مبنيًّا على مجهولٍ في شخصيته؛القدوةُ الحسنةُ وطهارةُ الكفِّ واللسانِ صفاتٌ معلومةٌ في تاريخِ إيلا،شادَ منها سيرةً تمشي بين الناسِ بالعدلِ وتنطقُ بالإنجازاتِ المشهودةِ في كافةِ المواقعِ التي عملَ بها مديرًا ووزيرًا وواليًا ورئيسًا للوزراء.
إيلا من السياسيين القلائلِ الذين يملكون القدرةَ على إحداثِ الفَرْقِ،وتحويلِ الهزائمِ إلى انتصاراتٍ، ولا يراهنون على مجردِ (طَقِّ الحنكِ) في كسبِ ودِّ ومحبةِ الناسِ.
الطفرةُ التنمويةُ الهائلةُ التي أحدثها في البحرِ الأحمرِ تقفُ شاهدةً على عبقريةٍ أحالت الولايةَ إلى وجهةٍ سياحيةٍ يأتيها الناسُ من داخلِ السودانِ وخارجِه..إيلا ابتدرَ مشروعَ التغييرِ في الإنقاذِ حينما كان واليًا،فألغى تفريغَ قياداتِ المؤتمرِ الوطنيِّ والحركةِ الإسلاميةِ،وامتنع عن تمويلِ أنشطتِها من المالِ العامِّ،وجرّد حملةً لمكافحةِ الفسادِ ضدَّ بعضِ رموزِ الحزبِ الحاكمِ حينما تبوَّأ مقعدَ رئاسةِ الوزراءِ.
للدكتورِ محمد طاهر إيلا سَبْقٌ في صناعةِ النجاحِ،هو من القياداتِ الملهمةِ التي مثَّلت أيقونةً رامزةً للجماهيريةِ والانتصارِ،حينما كان واليًا للبحرِ الأحمرِ وفي مهمتِه الأخيرةِ بود مدني،راهن كثيرون على فشلِه حينما جاء إلى الجزيرةِ واليًا،لكنه ظلَّ يُقدّمُ كلَّ يومٍ إنجازًا يؤكدُ أنه (ماهرٌ) في تجاوزِ الإحباطِ و(بارعٌ) في تقديمِ المبادراتِ و(ناجحٌ) في صناعةِ الفَرْقِ لمصلحةِ الوطنِ والجماهيرِ.
الاستقبالُ الجماهيريُّ المشهودُ لإيلا في بورتسودان قبلَ ثلاثةِ أعوامٍ،نتاجٌ لما كسبت سيرتُه من إنجازاتٍ في أوقاتِ تحمّله مسؤوليةَ الناسِ هناك،لم يكن الحشدُ قبليًّا محضًا، كانت القبيلةُ موجودةً،لكن الوفودَ جاءت، مثلما تابعنا آنذاك، من نهرِ النيلِ والجزيرةِ والنيلِ الأبيضِ ومناطقَ أخرى من السودان،لتؤكّدَ أن للرجلِ يدًا سلفت في مضمارِ العملِ العامِّ،ودَيْنًا مستحقًّا على جماهيرَ واعيةٍ تحنُّ إلى قياداتٍ سياسيةٍ من طرازِ إيلا وسطَ زحمةِ (المواسيرِ) التي أورَدَت البلادَ الهلاكَ.
مثلَ الراحلِ إيلا (شخصيةً قوميةً) يتفقُ السودانيون على كسبِها وإن اختلفوا مع انتمائِها،رحل إيلا وبلادُنا في أمسِّ الحاجةِ إلى دُرْبَتِه وحكمتِه ودَأبِه على التفكيرِ خارجَ الصندوقِ في ظلِّ واقعٍ مأزومٍ وأوضاعٍ تتعقّدُ كلَّ يومٍ.
إلى جناتِ وعيونٍ لا تنضبُ،إنا للهِ وإنا إليه راجعون.






