معادلات فرضتها تداعيات الحرب الجارية في السودان
السياسة الخارجية.. إعادة التموضع
مطالبة بتعريف الأولويات بما يتناسب مع واقع الحرب
رفض المليشيات.. مناهضة التدخل في شؤون الدول
تحوّلات الحرب.. صراع مفتوح تتداخل فيه مصالح عدة دول
السفير نادر: لابد من تحديد ثوابت لسياستنا الخارجية
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
قال خبراء عسكريون ومحللون استراتيجيون إن السياسة الخارجية السودانية مطالبة اليوم بإعادة تعريف أولوياتها بما يتناسب مع واقع الحرب التي يشهدها السودان منذ منتصف أبريل 2023م، والتي تخوضها القوات المسلحة، والقوات المساندة لها بمختلف التشكيلات، ضد مليشيا الدعم السريع المدعومة بمحاور إقليمية ودولية، وأكد الخبراء في حديثهم ل(الكرامة) أن هذه الحرب لم تعد شأناً داخلياً، بل تحولت إلى صراع مفتوح تتداخل فيه مصالح دول عدة تسعى بحسب توصيفهم إلى إخضاع السودان والسيطرة على موارده، مشيرين إلى دور محوري لدولة الإمارات في دعم هذه التحالفات عبر دول الجوار، من بينها تشاد وأفريقيا الوسطى وليبيا وأثيوبيا وكينيا ويوغندا.
مرتكزات أساسية
ويرى مراقبون أن التطوّرات الميدانية، بما في ذلك التوترات على الحدود السودانية التشادية، والتحرّكات في إقليم النيل الأزرق، تفرض على السودان تبني سياسة خارجية تقوم على عدة مرتكزات أساسية، أبرزها: تأمين السيادة الوطنية: عبر تعزيز الوجود العسكري على الحدود وتفعيل الآليات الأمنية المشتركة، والعمل على إدارة التوازن الإقليمي من خلال بناء علاقات متوازنة مع دول الجوار واستثمار التقاطعات السياسية لصالح السودان، وتفعيل مفهوم الدبلوماسية الوقائية عبر تنشيط القنوات السياسية لمنع تفجّر النزاعات قبل وقوعها، بالإضافة إلى تنمية المناطق الحدودية لضمان استقرار المجتمعات المحلية ومنع أي اختلال ديموغرافي أو اقتصادي قد يُستغل خارجياً، حيث تمثل هذه المرتكزات، وفق خبراء، حجر الزاوية في أي تحرك دبلوماسي سوداني خلال المرحلة المقبلة.
حرب متعدّدة الوجوه
والواقع أن الحرب في السودان تجاوزت مرحلة المواجهة بين الجيش ومليشيا متمردة، إلى نموذجٍ لحرب هجينة تتقاطع فيها الجغرافيا بالسياسة والمال بالسلاح، واتساقاً مع معطيات ميدانية، فإن السودان تعرَّض لما يشبه العدوان الخارجي غير المعلن، عبر تدفّقات مرتزقة من دول أفريقية وأوروبية، بما في ذلك عناصر من روسيا وكولومبيا، جرى حشدهم للقتال إلى جانب مليشيا الدعم السريع، ووفقاً لتقارير ميدانية فإن القوات المسلحة السودانية والقوات المساندة لها تمكّنت من أسر عدد من هؤلاء المقاتلين في جبهات مختلفة، إلى جانب ضبط وثائق ومعدات عسكرية مرتبطة بدويلة الإمارات وتشاد، الأمر الذي ساهم في إطالة أمد الحرب وتعقيد مساراتها، وتعكس هذه المعطيات مواجهة السودان صراعاً يتجاوز حدوده، الأمر الذي يفرض على قيادته إعادة صياغة السياسة الخارجية على أسس أكثر صرامة ووضوحاً.
دروس مستفادة
ويحكي لسان التاريخ الحديث للعلاقات الدولية، أن السياسات الخارجية لا تُبنى في فراغ، بل تُصاغ عبر تجارب قاسية تعيد تشكيل وعي الدول ومواقفها، فجنوب أفريقيا، التي عانت طويلاً من نظام الفصل العنصري، جعلت من مناهضة التمييز ركيزة أساسية في سياستها الخارجية، بينما تبنّت رواندا قضية مكافحة الإبادة الجماعية كأولوية عالمية بعد تجربتها المريرة، وتقف الجزائر بقوة إلى جانب قضايا التحرّر، استناداً إلى تاريخها مع الاستعمار، فيما جعلت دول الاتحاد الأوروبي من قيم حقوق الإنسان والليبرالية أساساً لعلاقاتها الدولية، بعد صراعات طويلة في عصور سابقة، وتطرح هذه النماذج سؤالاً مهماً: كيف يمكن للسودان أن يحول محنته الراهنة إلى قاعدة صلبة تعيد تشكيل سياسته الخارجية على نحو يعكس تطلعات شعبه وتجربته؟
ثوابت راسخة
طرحنا هذا السؤال الكبير للسفير نادر فتح العليم، الخبير في العلاقات الدولية وفضِّ النزاعات، فقال إن التجربة القاسية التي مر بها الشعب السوداني خلال حرب الخامس عشر من أبريل 2023م،، وما صاحبها من انتهاكات وعنف ممنهج، أسهمت في تشكيل وعي جمعي رافض لكل أشكال المليشيات والتدخلات الخارجية، وأكد السفير نادر في إفادته للكرامة أن هذه التجربة ينبغي أن تتحوّل إلى ثوابت راسخة في السياسة الخارجية السودانية، تقوم على عدة نقاط أبرزها: رفض دعم الميليشيات ومبدأ الحروب بالوكالة، ومناهضة التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ونُصرة الشعوب المعتدى عليها، والدفاع عن مبادئ العدالة الدولية وسيادة القانون، وأكد السفير نادر فتح العليم أن تبني هذه القيم في المحافل الدولية من شأنه أن يعكس الوجه الحقيقي للسودان، ويعزز موقعه الأخلاقي والسياسي على الساحة الإقليمية والدولية.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. وفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن السودان يقف عند مفترق طرق حاسمة، ترتكز على مبدأ أن السياسة الخارجية أصبحت ضرورة وجودية ترتبط مباشرة ببقاء الدولة واستقرارها، وأن الحرب الراهنة، بكل تعقيداتها وتشابكاتها، كشفت هشاشة التوازنات التقليدية، وفرضت على السودان التفكير بمنطق جديد يقوم على الانتقال من رد الفعل إلى الفعل الاستباقي، وتوظيف التحالفات بذكاء لا بردود أفعال آنية، وتحويل المعاناة الوطنية إلى قوة معنوية في الخطاب الدولي، وهي مفاهيم تُملي على قيادة الدولة صياغة سياسة خارجية قادرة على حماية سيادة السودان، وصون موارده، واستعادة صوته في المجتمع الإقليمي والدولي.






