أعلن عن قرارات لتصحيح المسار
حزب الأمة القومي…إبعاد الجنجويد
إحالة المنضمين لصمود وتأسيس للرقابة..محاسبة
عبد الرحمن الصادق والفريق صديق هاجماه…طرد بُرمة
مطالبة بتغيير الخطاب ..تململ وسط قواعد الحزب
مراقبون : التوجيه بعودة القيادات خطوة متأخرة
تقرير : ضياءالدين سليمان
دخل حزب الأمة القومي منعطفاً سياسياً حرجاً بعد الحرب التي أشعلتها مليشيا الدعم السريع في السودان بات الحزب دمية تحرّكها المليشيا كيفما شاءت فتارة التزم الحزب الحياد الكاذب وتارة أخرى مارس قادته صمتاً خجولاً على جرائم وانتهاكات المليشيا قبل أن تنفضح توجهاته بإنضمام رئيس الحزب وبعض قادته على غرار التعايشي إلى صفوف المليشيا عبر تحالفها السياسي المسمى بـ(تأسيس).
انتفاضة
وبعد أكثر من ثلاث أعوام من الصمت انتفض مؤخراً بعض قادة الحزب الرافضين لاختطافه بقرارات كمحاولة لإعادته لنصابه الصحيح بإعتباره احد دعائم العمل الوطني حيث أصدرت مؤسسة الرئاسة الحزب جملة من القرارات الأخيرة قضت بإنهاء تكليف اللواء فضل الله برمة ناصر، وإحالة القيادات المنضمة لتحالفي “صمود” و”تأسيس” إلى المحاسبة التنظيمية، في خطوة تعكس عمق الانقسام والتشظي الذي أصاب الحزب التاريخي خلال فترة الحرب المستمرة في السودان.
تأخير
ورغم محاولة قيادات الحزب تقديم هذه القرارات باعتبارها “تصحيحاً للمسار”، إلا أنها جاءت متأخرة بعد شهور طويلة من التردّد والضبابية السياسية، وهي الفترة التي فقد خلالها الحزب جزءاً كبيراً من صورته التقليدية كأحد أهم الأحزاب الوطنية وأكثرها تأثيراً في المشهد السوداني.
انحراف
وقال نائب رئيس حزب الأمة القومي الفريق صديق إسماعيل، إن فضل الله برمة ناصر “انحرف عن مسار التكليف وتمادى في مواقف تهدم مبادئ الحزب”، متهماً إياه بالانضمام لتحالف “تأسيس” والتنكر للمؤسسة العسكرية التي قال إنها “قدّمته للمجتمع السياسي”.
و أعادت تصريحات نائب رئيس الحزب إلى الواجهة أسئلة كبيرة بشأن طبيعة الأزمة داخل الحزب، وكيف تمكنت قيادات بارزة من التحرك لأشهر باسم الحزب والمشاركة في تحالفات سياسية مثيرة للجدل دون وجود موقف حاسم من المؤسسات التنظيمية.
ويرى مراقبون أن ما يحدث اليوم ليس مجرد خلاف بين تيارات سياسية داخل الحزب، بل أزمة عميقة تتعلق بضعف القيادة وغياب الرؤية الموحدة الأمر الذي جعل الحزب يبدو مرتبكاً ومتضارب المواقف منذ اندلاع الحرب بين الجيش ومليشيا الدعم السريع.
ففي الوقت الذي كانت فيه البلاد تواجه انهياراً أمنياً وإنسانياً واسعاً، انشغل الحزب بصراعاته الداخلية وحسابات التوازنات السياسية، دون أن ينجح في تقديم مشروع وطني واضح أو خطاب قادر على جمع قواعده المتباعدة.
تموضع رمادي
واعتمد حزب الأمة القومي لفترات طويلة من تاريخه السياسي على سياسة “التموضع الرمادي” لا سيما خلال فترات الحرب الأمر الذي جعله يدفع ثمناً سياسياً باهظاً وهي السياسة التي حاول من خلالها الاحتفاظ بعلاقات مفتوحة مع مختلف القوى، دون اتخاذ مواقف حاسمة تجاه القضايا المصيرية.
حسب مراقبون هذا التردّد جعل الحزب يبدو وكأنه يحاول إرضاء جميع الأطراف خلال الحرب وهو وقت لم يعد فيه المشهد السوداني يحتمل المواقف الضبابية أو الخطابات المزدوجة، خاصة مع مع الانتهاكات والجرائم التي ارتكبتها مليشيا الدعم السريع وطالت قطاعات واسعة من المجتمع السوداني الي جانب الانقسام الحاد داخل الساحة السياسية.
كما أن انخراط بعض قيادات الحزب في تحالفات تقارب مليشيا الدعم السريع أثار غضب قطاع واسع من قواعد الحزب التقليدية، التي ترى أن الحزب ابتعد عن إرثه الوطني وتاريخه المرتبط بالحركة السياسية السودانية ومؤسسات الدولة.
ويرى متابعون أن الأزمة الحالية كشفت أيضاً حجم التراجع الذي أصاب الأحزاب التقليدية في السودان، والتي فشلت خلال السنوات الأخيرة في تجديد أدواتها السياسية والتنظيمية، وظلت رهينة للخلافات الشخصية والصراعات الداخلية.
العودة إلى الداخل
وفي محاولة لاحتواء الغضب داخل القواعد، أعلن الحزب توجيهات بعودة القيادات الموجودة خارج السودان إلى الداخل “للتحام بالجماهير والعمل على صناعة السلام والاستقرار”.
غير أن هذه الدعوة فُسرت على نطاق واسع باعتبارها اعترافاً متأخراً بحجم الفجوة التي نشأت بين القيادات السياسية والمواطن السوداني خلال الحرب.
ففي الوقت الذي عاش فيه ملايين السودانيين أوضاع النزوح والجوع وفقدان الخدمات الأساسية، ظلت غالبية القيادات السياسية، بما فيها قيادات حزب الأمة، بعيدة عن الداخل، الأمر الذي أفقدها كثيراً من التأثير الشعبي وأضعف ثقة الشارع في القوى المدنية بصورة عامة.
ويقول الدكتور خالد الطريفي استاذ العلوم السياسية إن مجرد العودة إلى الداخل لن تكون كافية لاستعادة الثقة ما لم يصاحبها تغيير حقيقي في الخطاب السياسي وآليات العمل، إضافة إلى مراجعات جادة للمواقف التي اتخذها الحزب خلال الحرب.
إحالة للمحاسبة
وكشف الفريق صديق إسماعيل عن إحالة جميع أعضاء الحزب الذين انضموا إلى تحالفي “صمود” و”تأسيس” إلى هيئة الرقابة وضبط الأداء مؤكداً أن مشاركتهم تمت خارج قرارات المؤسسات الرسمية للحزب.
انتقدت الأوساط السودانية خطوة الحزب المتأخرة بإعتبارها محاولة الآن لمعالجة نتائج الأزمة بدلاً من مواجهة أسبابها الحقيقية، خاصة أن الانقسام لم يبدأ مع تحالف “تأسيس”، بل يعود إلى سنوات من التباينات الفكرية والتنظيمية داخل الحزب بشأن العلاقة مع القوى المدنية والعسكرية.
كما أن تعدد مراكز القرار داخل الحزب وغياب الحسم في كثير من الملفات جعلا من السهل على بعض القيادات اتخاذ مواقف منفردة دون الرجوع للمؤسسات التنظيمية.
ويخشى عدد واسع من عضوية الحزب من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى تعميق الانقسام بدلاً من احتوائه، خاصة إذا تحولت المحاسبات التنظيمية إلى معركة تصفية حسابات بين التيارات المتصارعة داخل الحزب.
هجوم عبد الرحمن
من جانبه، صعّد الفريق الركن عبد الرحمن الصادق المهدي من انتقاداته للقيادات المنضمة لتحالف “تأسيس”مؤكداً أن مؤسسات الحزب قامت بعزل فضل الله برمة ناصر ومن معه بعد انضمامهم إلى ما وصفه بتحالف مرتبط بمليشيا الدعم السريع.
وشدّد المهدي على رفض أي مساواة بين الجيش السوداني والدعم السريع، معتبراً أن المواطنين فروا من مناطق سيطرة “الميليشيا” إلى مناطق سيطرة الجيش، قبل أن يعود بعضهم إلى العاصمة بعد تقدم القوات المسلحة.
كما نفى عبد الرحمن الصادق الأنباء التي تحدثت عن فصله من الحزب، موضحاً أنه لا يزال يشغل مواقع تنظيمية داخل هيئة شؤون الأنصار، وأن استقالته السابقة جاءت لأداء مهمة كلفه بها الإمام الراحل الصادق المهدي.
استعادة الهيبة
ويطرح التصعيد الأخير داخل حزب الأمة تساؤلات واسعة حول مستقبل الحزب وقدرته على استعادة تماسكه التاريخي بعد سنوات من الانقسامات والتراجع السياسي.
فالحزب الذي ظل لعقود أحد أكبر القوى السياسية في السودان، يبدو اليوم في مواجهة أزمة وجود حقيقية، وسط تراجع تأثير الأحزاب التقليدية وصعود تحالفات وقوى جديدة فرضتها ظروف الحرب.
ويرى الطريفي أن استعادة الحزب لدوره لن تتحقق عبر قرارات الفصل والمحاسبة وحدها، وإنما تحتاج إلى مراجعة شاملة للتجربة السياسية، وإعادة بناء المؤسسات التنظيمية، والاقتراب من قضايا المواطنين بعيداً عن الصراعات النخبوية والتحالفات المتقلبة.
وفي ظل المشهد السوداني تبدو معركة حزب الأمة اليوم أكبر من مجرد خلاف تنظيمي داخلي إذ بات الحزب مطالباً بإثبات قدرته على البقاء كقوة سياسية مؤثرة أو مواجهة خطر التحول إلى كيان مثقل بالتاريخ وعاجز عن التأثير في الحاضر.






