أعلنت الدخول في استيراد المشتقات النفطية
الحكومة والوقود.. معركة كسر العظم
لتحقيق توازن مستدام.. مجلس “الوزراء” على الخط
بناء آلية التنفيذ والمتابعة .. تحديات
حسم فوضى سعر الصرف..جدية الحكومة
تقرير : محمد جمال قندول
أعلن مجلس الوزراء عن دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية ،وتأتي الخطوة في أعقاب التطورات الاقتصادية الأخيرة بحالة الفوضى التي ضربت أسعار العملات الحرة مقابل الجنيه السوداني.
وكان مجلس الوزراء قد عقد اجتماعاً أمس الجمعة لبحث الأزمة الاقتصادية برئاسة رئيس الوزراء الدكتور كامل إدريس.
احتياجات
وقال وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر في تصريحات صحفية عقب اجتماع مجلس الوزراء بأن الجلسة خُصصت للملف الاقتصادي والمنتجات البترولية.
وأوضح الإعيسر بأن دخول الحكومة لاستيراد الوقود يُعبر عن مدى جدية مجلس الوزراء في متابعة الشأن الاقتصادي، ومبيناً أن هذا القرار يُعتبر سارياً منذ الأمس.
توازن
ويرى الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي بأن القرار الأخير يعني أن الحكومة ستعمل لتحقيق توازن مستدام بين الإنتاج المحلي والواردات، في ظل استمرار نمو الطلب على الوقود والمنتجات البترولية، خاصة من قطاعات الكهرباء والصناعة والنقل، والتي تمثل المحرك الرئيسي للاستهلاك المحلي للطاقة.
ولكن فتحي يقول إنه من الضروري أن يصطحب القرار رؤية متكاملة تجمع بين ضمان استقرار إمدادات الطاقة وتلبية احتياجات المواطنين والقطاعات الاقتصادية، وبين التوسع في جذب الاستثمارات وزيادة الإنتاج من البترول، بما يعزز أمن الطاقة ويدعم مسيرة التنمية الاقتصادية ويؤسس لمرحلة جديدة من النمو والاستدامة.
تابع محدّثي بأنه لمنع حدوث أي أزمة للمشتقات النفطية وإلى الأبد فإنه لا بد من تمكين القطاع الحكومي من القيام بمهمة شراء وتوزيع واستيراد هذه المشتقات بشراكة ذكية مع القطاع الخاص مع وجود رقابة صارمة وإجراءات محكومة تمنع الفساد؛ فلو كان ذلك موجوداً في الوقت الحاضر لما كانت هذه الأزمة بنفس الحدة. وما من شك بأن هذا القرار سيعمل بكفاءة أفضل بكثير من الوضع الحالي.
وأضاف فتحي بأن احتياجات السوق المحلية في تزايد مستمر ولا بد من التعاون مع (حكومات دول) خاصة العربية وشركاتها التابعة لها والاستعانة بمزيد من إنتاجها من المشتقات البترولية، نظراً لقربها من السودان، خاصة أن هناك وجوداً لعلاقات سابقة بين قطاع الطاقة في السودان وهذه الدول يتعلق بأنشطة البحث والاستكشاف. كما أن طاقات السودان التكريرية كبيرة، وتسمح بإنتاج العديد من المشتقات البترولية، التعاون مع دول الخليج والعراق والجزائر وليبيا بشكل عام يفتح آفاقاً نحو تكثيف الاستثمارات بالعديد من القطاعات الاقتصادية الأخرى.
ويشير محدّثي إلى أنه بدلاً من استيراد المشتقات حالياً، فلا مانع من استيراد الخام وبناء مصافٍ جديدة لتكريره، فتكلفة استيراد الخام أقل من تكلفة استيراد المشتقات.
كما أنه ينبغي استيراد المشتقات من خلال الدول الصديقة والشقيقة ومن الأجدى الاستعانة بالدول العربية القريبة في المسافة والبسيطة في شروط التعاقد مثل دول الخليج وغيرها، بدلاً من اللجوء إلى دول أجنبية أو عربية بعيدة المسافة.
ضبط
وكان مجلس الوزراء في جلسته المنعقدة ظهر أمس بالعاصمة برئاسة رئيس الوزراء بروفيسور كامل إدريس قد أقرّ دخول الحكومة في استيراد المشتقات البترولية، وذلك لضبط السوق والتحكم في سعر الصرف، على أن تتولى جهات الاختصاص في وزارتي المالية والطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي إنفاذ القرار.
تحوّل مهم
من جانبه اعتبر الخبير الاقتصادي د. أسامة محمد عبد الرحيم بأن قرار مجلس الوزراء بدخول الحكومة السودانية مباشرة في استيراد المشتقات البترولية يمثل تحولاً مهماً في مقاربة الدولة لإدارة أحد أكثر الملفات الاقتصادية حساسية وتأثيراً على مجمل النشاط الاقتصادي في البلاد. فقطاع المحروقات لا يرتبط بتوفير سلعة استهلاكية أو خدمية فحسب، وإنما يشكل عصباً رئيسياً لحركة النقل والإنتاج والصناعة والزراعة والكهرباء، وبالتالي فإن أي اختلال فيه ينعكس فوراً على مستويات الأسعار والتضخم والاستقرار المعيشي للمواطنين.
وأضاف، من الواضح أن الحكومة تنظر إلى هذا القرار باعتباره أداة من أدوات التدخل المباشر لضبط السوق وتقليل حالة التشوه التي نشأت خلال الفترة الماضية نتيجة تعدد الوسطاء، وتذبذب أسعار الصرف، والضغوط المتزايدة على النقد الأجنبي. ومن المعروف أن استيراد المشتقات البترولية ظل يمثل أحد أكبر مصادر الطلب على العملات الحرة، ولذلك فإن دخول الدولة في هذا الملف قد يساعد ـ إذا أُحسن التنفيذ ـ في تخفيف الضغوط على سوق النقد وتقليص مساحات المضاربة التي تؤثر بصورة مباشرة على قيمة العملة الوطنية.
ويضيف كذلك ينبغي النظر إلى القرار من زاوية الأمن الاقتصادي، لأن الوقود في الظروف التي يمر بها السودان لم يعد مجرد سلعة تجارية عادية، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الوطني. فالبلاد تواجه ظروفاً استثنائية مرتبطة بالحرب وتعطل أجزاء واسعة من النشاط الاقتصادي والبنية التحتية، وبالتالي فإن ضمان انسياب المشتقات البترولية بصورة مستقرة يمثل عنصراً أساسياً في الحفاظ على استمرار الخدمات الأساسية وحركة الاقتصاد واحتياجات المواطنين.
لكن في المقابل، نجاح القرار لن يكون مضموناً بمجرّد إعلان الدولة دخولها كفاعل مباشر في السوق، لأن التحدي الحقيقي يكمن في بناء آلية تنفيذ عالية الكفاءة تضمن الشفافية والسرعة والانضباط المؤسسي. فالحكومة ستحتاج إلى إدارة احترافية لعمليات الشراء الخارجي، وتأمين التمويل اللازم بالنقد الأجنبي، وضبط عمليات النقل والتخزين والتوزيع الداخلي، ومنع أي شبكات تهريب أو احتكار يمكن أن تفرغ القرار من أهدافه الأساسية.
ويقول د. أسامة من النقاط الإيجابية في القرار أن مجلس الوزراء لم ينظر إلى القضية باعتبارها ملفاً تجارياً منفصلاً، وإنما ربطها بتنسيق مباشر بين وزارة المالية ووزارة الطاقة وبنك السودان المركزي والأمن الاقتصادي، وهو ما يعكس إدراكاً بأن معالجة الاختلالات الاقتصادية في هذه المرحلة تحتاج إلى إدارة متكاملة تجمع بين السياسات المالية والنقدية والرقابية والأمنية في وقت واحد.
وأردف أسامة بقوله في تقديري، الرسالة السياسية والاقتصادية الأهم في هذا القرار هي أن الحكومة بدأت تميل إلى استعادة دور الدولة المباشر في إدارة بعض القطاعات الاستراتيجية التي يصعب تركها بالكامل لآليات السوق الحرة في ظل الظروف الحالية. غير أن هذه الخطوة يجب ألا تُفهم باعتبارها حلاً نهائياً للأزمة الاقتصادية، بل جزءاً من حزمة إصلاحات أوسع يحتاجها الاقتصاد السوداني، تشمل زيادة الإنتاج المحلي، تحسين إدارة الموارد، معالجة الاختلال في الميزان التجاري، وتبني سياسات اقتصادية أكثر استقراراً واستدامة في المدى المتوسط والبعيد.






