يوسف عبد المنان يكتب في« حديث السبت »: السودان نكبة السياسة أم أزمة الاقتصاد ؟!! هل تغيير وزراء أو إعفاء حكومة الأمل يغيّر من الواقع البائس؟

حديث السبت

يوسف عبد المنان

السودان نكبة السياسة أم أزمة الاقتصاد ؟!!

هل تغيير وزراء أو إعفاء حكومة الأمل يغيّر من الواقع البائس؟

(1)
من يراقب أداء مستشار رئيس مجلس السيادة السياسي أمجد فريد يجد أن المفارقة تبدو كبيرة بينه وأعضاء الحكومة الآخرين من وزراء ومستشارين بعضهم غير معلن ويلعب دوراً كبيراً في دهاليز السلطة والحكم ،ولكن أمجد فريد منذ تعيينه قبل شهور بدا مختلفاً من الآخرين من حيث الخطاب السياسي والقدرة على التعبير عن نفسه وعن النظام الذي ينتمي إليه وشكّلت مدافعته في مفاصل الغرب بالولايات المتحدة الأمريكية خطاباً عميقاً جداً كان له أثر كبير في تغيير الموقف الأمريكي من السودان، و شعر الأمريكان أن للحكومة السودانيه خطاب سياسي أضاء كثير من المناطق المعتمة وأمجد فريد تبغضه أو تحبه تنظر إليه بإعجاب أو بمقت وكراهية ولكن لاتملك إلا الاعتراف بأن أمجد كادر سياسي تربى في أحضان مدرسة سياسية أحسنت تأهيله وتدريبه ولم يأت من عتمة الوظائف في الخدمة المدنيه ولا من شيوخ معاشات القوات النظامية التي استهفدت أغراضها وأعياها طول المسير ولم تصدق انها عادت إلى السلطة .
وأمجد فريد سياسي بنكهة ليبرالية بينما حكومة الأمل التي لم يختارها كامل إدريس كما يعتقد الكثيرين تفتقر إلى الفكرة التي تجمع بين محاسن يعقوب ونور الدائم طه وبين كبرون ومحي الدين سالم وقد بدت حكومة الأمل ضعيفة أقرب إلى لمة وزراء بلا برنامج وحينما نقول أن كامل إدريس لم يختار حكومته بمحض إرادته وشروطه ومايعتقد أنهم الكفاءات التي تخوض معه لجة الفترة الانتقالية فإن الضرورة تقضي والإنصاف يفرض أن نشير إلى أن وزراء الداخلية والدفاع والخارجية يختارهم رئيس مجلس السيادة ووزراء المالية والرعاية الاجتماعية والمعادن والنقل والطرق من حصة القوى الحليفة للعسكر وجودهم تنص على اتفاقية السلام الموقعة بين الحكومة والحركات المسلحة، وكذلك وزير التربية والتعليم من حصة مسار وسط السودان ولم يتبقى لرئيس الوزراء إلا اختيار وزراء الصحة والتعليم العالي ووزير شئون مجلس الوزراء والصناعة والاعلام والعدل ،وبذلك أخذت الحركات المسلحة والعسكر لحم الظهر والفخذ والصدر وترك لكامل إدريس البطون التي لاتصلح الا للكمونية وأم فتفت، وحتي محافظ البنك المركزي يعيّن من قبل رئيس مجلس السيادة كما يعيّن النائب العام، فكيف نصف حكومة كامل إدريس التي تسمى حكومة الأمل بضعف الأداء وبؤسه ،وقد تبين ضعف هذا الخليط من المكونات المتعدّدة في الأداء العام .
وقد كبّل الدكتور كامل إدريس نفسه بما يسمى بتعيين حكومة من التكنقراط المستقلين عن الأحزاب وهولاء في غالبهم يواجهون مشاكل كبيرة في التعبير عن حكومتهم، فوبيا الكيزان حرمت البلاد من كفاءات وقدرات وخبرات كان يمكن أن تعين البلاد وتعين البرهان في ظروف بالغة التعقيد كالتي تعيشها البلاد حالياً، وتجربة أمجد فريد ينبغي أن تحفز البرهان في المضي قدماً في اختيار وزراء تربوا في أحضان أحزاب سياسية وفكرية وليس بالضرورة أن يأتي الإسلاميين إلى السلطة، وهم كما بدا للمراقب أكثر زهداً من غيرهم في السلطة وكان يمكن للبرهان منذ اندلاع الحرب الاستفادة من الذين وقفوا مع الجيش قبل أن ينقلبوا عليه مثل مبارك الفاضل ومثل البروفسور عبدالله علي ابراهيم الذي ظل مسانداً للجيش في أحلك الظروف وعبدالله على ابراهيم تربّي في كنف مدرسة الحزب الشيوعي ولم يتربى في مدرسة حسن الترابي .
وكان حرياً الاحتفاظ برجل مثل السفير على يوسف خبرة سنين ووعي وعلاقات مع الشرق خاصة ولكن تقلب البلاد مابين الشرق والغرب وتقديمها رجلا وتأخير أخرى في الإقدام على علاقات مع الصين وروسيا وتعلق السادة العسكريين بأمريكا وآمالهم فيها وانتظار خير يأتي منها جعل العلاقات الخارجية مضطربة جداً لذلك أزمة الحكومة السياسية في غياب المشروع السياسي والفكري قبل الخطط التنفيذية.
(2)
تشهد بلادنا بكل أسف منذ اسبوعين تدحرجاً اقتصادياً إلى أسفل جعل الحياة في البلاد أقرب للاستحالة وشهد الجنيه السوداني تدهوراً في سعره لم يشهده في تاريخ البلاد القريب وتبعاً لذلك ارتغعت اسعار كل السلع الضرورية في حياة الناس من الخبز الحافي الذي أصبحت الرغيفات الثلاثة بالف جنيه وأصبح صحن العصيدة عند حاجة أم قماش التي عادت الي مكانها القديم بالقرب من طلمبة النيل بشارع عبيد ختم صحن العصيدة الآن بسبعة جنيهات وطلب الفول برغيفة واحدة بخمسة الف جنيه وكيلو العجالي بلغ الأربعين الف جنيه أما الدواء فقد شح الأنسولين المخلوط وجفت الصيدليات من أدوية الضغط والسكري، وأصبح المواطن كالسكران يطوف من صيدلية لأخرى بحثاً عن الدواء المفقود المالية صامتة والدكتور جبريل إبراهيم لايزال مرتدياً لامة الحرب على الجنجويد لا خطة اقتصادية لانعاش اقتصاد يتهاوى إلى أسفل ولم تعد الحياة في الخرطوم إلا جحيماً.
جالون البنزين خلال يومين ارتفع من “٢٥” الف جنيه الى :٣١”الف جنيه محطات الوقود وتجار الأزمات ينتظرون زيادة في الأسعار لامتصاص ماتبقي من دم الشعب السوداني الأزمة الاقتصادية التي إذا لم يتم تتداركها من شأنها أن تتدحرج الي أزمة سياسية وأمنية وقد بدأت بوادر ذلك في تفشي النهب والسرقات في الأسواق والاحياء وحين يجوع الناس ينفرط عقد الأمن ولن تفلح بعدها أي معالجات في إنقاذ البلاد من السقوط في جب الهاوية والدول حينما تداهمها أزمات اقتصادية كالتي حلت ببلادنا تلجأ إلى الأصدقاء الاقربين لإنقاذها من السقوط ولكن لمن يلجأ السودان وهو بلا صديق حميم ولا أخ قريب يقيل عثرته.
كانت حكومة الإنقاذ في أحلك سنوات حصارها من الخارج ومقاطعتها من بلاد الخليج بعد حرب صدام حسين تجد من يقرضها المال لشراء الوقود والدقيق وفي سنوات الحرب الثلاثية المعروفة بالأمطار الغزيرة من يوغندا وإريتريا وإثيوبيا استطاعت أن تحصل على السلاح والدولار وتحت أزير المدافع خرج الذهب الأسود من باطن الأرض وحرياً الآن بحكومة البروفيسور كامل إدريس رئيس الوزراء رغم أن الرجل مكبل اليدين والقدمين ولكنه يستطيع الحركة في محيط تشاد وليبيا وجنوب السودان الذي لم يبد كامل حتى الآن اهتماماً به وترك شان العلاقة بين الخرطوم وجوبا للعسكر وهو ذات المنهج الذي سلب بروفسير ابراهيم غندور سلطته وولايته على العمل الخارجي، والآن كل دول الجوار السوداني معادية لنا وبعض بلدان الخليج تضحك معنا وتضحك علينا وفي كل أزماتنا لم تقدم لنا دولة خليجية واحدة مبلغ مليار دولار مسترد لإطعام شعبنا الجائع ونحن في محنتنا نتحدث عن الأصدقاء والأشقاء العرب وننثر في حبهم قصائد الحب من طرف واحد ولم يعيننا أحد وأمريكا التي نسعى لودها وإسرائيل التي طار رئيسنا من الخرطوم لعنتبي للقاء نتنياهو هي أكبر داعمي المليشيا اليوم.
وإذا كانت حكومة حمدوك قد أفسدت علاقة السودان بالصين وماليزيا وروسيا فماذا فعلت حكومة البرهان بعد أن أصبح القرار في الشأن الخارجي تحت طاولته ومن فوقها ولماذا تتلكأ الحكومة في المضي قدماً لتطوير العلاقة مع قطر وهل ماتردد بأن الدوحة طلبت في يوما ما أن تستضيف الرئيس السابق عمر البشير إكراماً له وتقديراً لسنه ولكن المكون العسكري رفض الطلب القطري وقال إن الثوار يرفضون ذلك ولن يرضى الثوار إلا القصاص من عمر البشير بالقانون أو بغير قانون،
وعلاقات السودان الخارجية الآن في ظاهر الأمر وربما باطن السياسة أمراً آخر في حالة أشبه بالقطيعة من دول العالم ولا دولة واحدة الآن تمد يدها لإنقاذ السودان مما هو فيه .
وفي كانت سنوات الحرب حينما كان الجنجويد في بيت المال والحصاحيصا وفي الصبابي والكلاكلة والعمارات كان حالهم أفضل بكثير مما هم فيه من مشقة وضنك عيش .
قديما حينما هاجر الدكتور محمد الواثق استاذ اللغة العربية بجامعة الخرطوم الي ليبيا كتب قصيدة شهيرة قال فيها
(ماكنا نعاني في السودان ضيق معيشة لو ساد في السودان أهل البصائر)
والآن الرجل في قبره لن يشعر بوطأة مانحن فيه من ضيق وفقر وعوز وقد صبر الشعب على الموت على يد الجنجويد وصبر الشعب على الدانات والمُسيّرات وصبر الشعب على انقطاع الكهرباء والمياه وحمى الضنك والكوليرا الملاريا ولن كيف يصبر الشعب على الغلاء ومقدمات الجوع ولايظن أحد أن الجوع تتسبب فيه قلة وشح الدقيق والفتريتة ولكن الجوع يحل بأي بلد يصبح صعباً على المواطن فيه شراء رغيفة الخبز والملح ورطل السكر وقد أصبح سعر رطل زيت الفول ثمانية الف جنيه فهل يطيق انسان السودان هذا الواقع الأشد ألماً على الشعب.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top