جبريل يشرح تعقيدات الأوضاع وتراجع قيمة الجنيه
وزير المالية.. الاقتصاد على المكشوف
الإنفاق على الحرب «بسخاء».. ضمان النصر
مؤثّرات خارجية ساهمت في تفاقم المضاربات.. ضغوط
حرب اقتصادية تُدار بأدوات مالية وتجارية وإعلامية..تحديات
تقرير: محمد جمال قندول
يعيش السودانيون واقعاً اقتصادياً صعباً جراء تراجع قيمة العملة المحلية، ولا ينفصل ذلك عن المشهد العام للبلاد، إذ تخوض القوات المسلحة معركة الكرامة ضد ميليشيا الدعم السريع التي تمردت على الدولة صباح الخامس عشر من أبريل 2023.
وقدم، أمس الأول، وزير المالية د. جبريل إبراهيم شرحاً وافياً عن تعقيدات الأوضاع الاقتصادية، خلال استضافته في حوار المنتدى السياسي على شاشة التلفزيون القومي.
المواجهة
قال جبريل إن الإنفاق على الحرب يجب أن يكون «بسخاء» لضمان تحقيق النصر، موضحاً أن طبيعة المواجهة تفرض على الدولة توجيه موارد كبيرة لدعم العمليات العسكرية والخدمات الأساسية.
وشدد جبريل على أنه «لا يوجد شيء بلا ثمن في العلاقات الدولية»، مؤكداً أن الحكومة تعمل على استقرار الأسعار وخفض سعر الدولار، رغم وجود مؤثرات خارجية ساهمت في تفاقم المضاربات على الجنيه السوداني.
وأضاف أن الدولة تتحمل شهرياً تكلفة تبلغ “50” مليار جنيه لدعم الكهرباء، وهو ما يشكل عبئاً كبيراً على المالية العامة.
وكشف الوزير أنه توقّع في وقت سابق أن يصل سعر الدولار في عام 2025 إلى حدود 10 آلاف جنيه، في ظل الضغوط الاقتصادية والمضاربات التي تتعرض لها العملة الوطنية.
وأكد وزير المالية جبريل إبراهيم في حوار على برنامج المنتدى السياسي على تلفزيون السودان أن الحرب الاقتصادية الدائرة حالياً تُعد «حرباً شرسة جداً»، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي منها هو إحداث انهيار كامل للدولة عبر ضرب مواردها وقدراتها المالية.
إنتاج
يعتقد الخبير الاقتصادي د. أسامة محمد عبد الرحيم أن ما طرحه السيد وزير المالية يعكس جانباً مهماً من طبيعة المرحلة التي يمر بها السودان، لأن كثيرين ما زالوا ينظرون إلى الأزمة الاقتصادية باعتبارها مجرد اختلال في سعر الصرف أو ارتفاع في الأسعار، بينما يشير الواقع إلى أننا أمام حرب اقتصادية متكاملة تُدار بأدوات مالية وتجارية ونقدية وإعلامية، ولا تقل خطورة عن العمليات والمواجهات العسكرية في الميدان.
وقال أسامة إن الحروب الحديثة لم تعد تعتمد على البندقية وحدها، وإنما أصبحت أيضاً تعمل على استهداف الاقتصاد، وتعطيل مصادر الإيرادات، وإرباك الأسواق، وإضعاف العملة الوطنية، وخلق حالة من فقدان الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
ولذلك، فإن المعركة الاقتصادية اليوم تمثل أحد أهم ميادين الصراع، لأنها تستهدف قدرة الدولة على تمويل نفسها، والوفاء بالتزاماتها، والاستمرار في تقديم الخدمات الأساسية.
وأضاف، وفي تقديري، فإن الحديث عن “الحرب الاقتصادية” ليس توصيفاً سياسياً أو إعلامياً، وإنما هو حقيقة تفرضها الوقائع. فالسودان يواجه، في الوقت نفسه، تراجعاً في الإنتاج، وتضرراً للبنية التحتية، وتعطيلاً لمناطق واسعة من النشاط الاقتصادي، وتهريباً للذهب والثروات، واستهدافاً للمنشآت، ومضاربات منظمة في سوق العملات، فضلاً عن الضغوط الخارجية التي تعقد حركة التجارة والتمويل والتحويلات المصرفية.
ويرى محدّثي أنه من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى ضغوط كبيرة على سعر الصرف، لأن قيمة أي عملة في العالم ليست معزولة عن قوة الاقتصاد الحقيقي، ولا عن حجم الإنتاج والصادرات والاستقرار السياسي والأمني. لذلك، فإن معالجة سعر الدولار لا يمكن أن تتم عبر الإجراءات النقدية وحدها، وإنما تحتاج إلى معالجة شاملة تعيد بناء الاقتصاد الوطني من جذوره.
وتابع أسامة، أما ما أشار إليه السيد الوزير بشأن الإنفاق على الحرب، فهو يعكس معادلة معروفة في إدارة الدول أثناء النزاعات؛ إذ لا تستطيع أي دولة حماية سيادتها وأمنها دون توفير الموارد الكافية لمؤسساتها العسكرية والأمنية.
لكن، في المقابل والحديث لأسامة، تظل المحافظة على التوازن بين متطلبات الحرب ومتطلبات الاقتصاد المدني أمراً بالغ الأهمية، لأن صمود الجبهة الداخلية يعتمد كذلك على استمرار الخدمات الأساسية، وتوفير السلع، وحماية القوة الشرائية للمواطن، والحفاظ على الحد الأدنى من النشاط الإنتاجي.
كما أن الإشارة إلى تحمل الدولة عشرات المليارات شهرياً لدعم الكهرباء تكشف حجم الأعباء التي تتحملها الخزانة العامة في ظروف استثنائية، خاصة مع ما تعرض له قطاع الكهرباء من استهداف وتخريب خلال الحرب. ولذلك، فإن إصلاح قطاع الطاقة، وتقليل الفاقد، وتنويع مصادر التوليد، والتوسع في الطاقة الشمسية والطاقات البديلة، يجب أن يصبح جزءاً من استراتيجية الأمن الاقتصادي، وليس مجرد مشروع خدمي.
أما توقع وصول الدولار لمستويات مرتفعة، حسب الخبير الاقتصادي أسامة، فهو يعكس إدراكاً لحجم المخاطر التي كانت تحيط بالاقتصاد السوداني. لكن المهم اليوم ليس التوقف عند الأرقام، وإنما العمل على إزالة الأسباب التي تولد الضغوط على سوق النقد الأجنبي، لأن السوق لا يستجيب للتمنيات، وإنما يتفاعل مع حجم العرض والطلب، ومستوى الإنتاج، والثقة في السياسات الاقتصادية.
ومن هنا، يشير أسامة إلى أن الدولة تحتاج إلى الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء اقتصاد الحرب، وهو مفهوم تطبقه كثير من الدول خلال النزاعات، ويقوم على تعبئة الموارد الوطنية، وتعظيم الإنتاج المحلي، وترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للسلع الاستراتيجية، وتأمين سلاسل الإمداد، ومنع الاحتكار، وتشديد الرقابة على الأسواق.
كما أن ملف الذهب يجب أن يحتل أولوية قصوى، لأنه يمثل اليوم أحد أهم مصادر النقد الأجنبي في السودان. ولا يمكن الحديث عن استقرار الجنيه في ظل استمرار التهريب أو خروج كميات كبيرة من الذهب خارج القنوات الرسمية. وأكمل: إن إحكام السيطرة على قطاع التعدين، وتشجيع المنتجين على البيع عبر القنوات القانونية، ورفع كفاءة عمليات الشراء والتصدير، يمثل أحد أهم مفاتيح استقرار الاقتصاد.
ولا يقل عن ذلك أهمية إصلاح الجهاز المصرفي، وتوسيع نطاق التعاملات الإلكترونية، وتقليل الاعتماد على النقد خارج المنظومة المصرفية، لأن الكتلة النقدية المتداولة خارج البنوك تسهم في تغذية المضاربات وإضعاف فعالية السياسات النقدية.
ومن الملفات التي ينبغي أن تحظى باهتمام خاص أيضاً مكافحة الفساد، والتهريب، والاقتصاد الموازي، لأن أي موارد تضيع بسبب الفساد أو التهرب الضريبي أو التهريب تعني، في الواقع، زيادة الضغط على الموازنة العامة، وارتفاع العجز، ومن ثم زيادة الضغوط على العملة الوطنية.
كما أن حديث الوزير بأن العلاقات الدولية لا تقوم بلا ثمن يمثل تذكيراً بأن الاقتصاد أصبح جزءاً أساسياً من السياسة الخارجية، وأن بناء شراكات اقتصادية متوازنة، وجذب الاستثمارات، وتأمين التمويل، وفتح الأسواق أمام الصادرات السودانية، كلها أدوات لا تقل أهمية عن السياسات الداخلية في دعم الاقتصاد الوطني.
ويضيف د. أسامة، في تقديري، فإن المرحلة الحالية تتطلب إنشاء غرفة عمليات اقتصادية عليا تضم وزارة المالية، وبنك السودان، والجهات الأمنية والاقتصادية المختصة، تعمل بصورة يومية لرصد الأسواق، ومتابعة حركة العملات والسلع، والتدخل السريع لمعالجة أي اختلالات، مع توفير معلومات شفافة للرأي العام لتعزيز الثقة ومنع الشائعات التي تستغلها المضاربات.
وختم محدّثي، بأن الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا لم يصاحبه انتصار اقتصادي يعيد للدولة قدرتها على الإنتاج، والاستثمار، والاستقرار المالي. فالمعركة الحقيقية اليوم ليست فقط في استعادة الأرض، وإنما أيضاً في استعادة قوة الاقتصاد، وهيبة العملة الوطنية، وثقة المواطن في مؤسسات الدولة. وعندما تتكامل السياسات الأمنية والاقتصادية والإنتاجية، يصبح الاقتصاد نفسه أحد أهم أسلحة الدولة في حماية سيادتها وتحقيق التعافي بعد الحرب.






