بعد سيطرته على مدن ومناطق استراتيجية بكردفان
الجيش … تغيير موازين الميدان
تحرير بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ ..انتصار وانفتاح
مراقبون :الجيش نفذ أكبر عملية عسكرية في كردفان
المناطق المستعادة تشكل عمق أمني واقتصادي
خبير عسكري: الخطوة تسهل حركة إمداد الجيش وتشل قدرة المليشيا
تقرير: ضياءالدين سليمان
دخلت العمليات العسكرية في إقليم كردفان مرحلة جديدة بعد إعلان القوات المسلحة السودانية والقوات المتحالفة معها إستعادة مدينة بارا ومناطق البركة وأم سيالة وأم قرفة وجبرة الشيخ في واحدة من أكبر العمليات العسكرية التي شهدها مسرح عمليات كردفان خلال الأشهر الأخيرة حسب خبراء ومراقبون.
تحولات
لم تكن العمليات التي حقق معها الجيش التقدم في مناطق ومساحات واسعة في كردفان مجرد استعادة لمناطق جغرافية بل حملت في طياتها تحولات استراتيجية من شأنها إعادة رسم خريطة العمليات العسكرية في شمال كردفان وفتح آفاق جديدة أمام الجيش لاستكمال عملياته باتجاه غرب السودان.
وبحسب مصادر عسكرية فإن العملية نُفذت عبر عدة محاور متزامنة شاركت فيها القوات المسلحة والقوة المشتركة والقوات المساندة والمستنفرين وأسفرت عن تدمير عشرات العربات القتالية والاستيلاء على آليات عسكرية أخرى إلى جانب تكبيد مليشيا الدعم السريع خسائر كبيرة في الأرواح والعتاد الأمر الذي يعتبر مؤشراً على انتقال الجيش من مرحلة الدفاع إلى مرحلة فرض السيطرة الميدانية على مناطق حيوية واستراتيجية.
مفتاح كردفان
ويرى اللواء متقاعد راشد النعيم الخبير العسكري إن مدينة بارا تمثل واحدة من أهم المناطق الاستراتيجية في شمال كردفان ليس فقط لأنها ثاني أكبر مدن الولاية وإنما بسبب موقعها الذي يربط بين الأبيض وأم درمان ويمتد نحو ولايات دارفور.
ويؤكد النعيم أن السيطرة على بارا تمنح الجيش أفضلية عملياتية كبيرة إذ تتيح له التحكم في حركة الإمداد والانتقال بين محاور القتال كما تقلص من قدرة المليشيا على المناورة أو إعادة تجميع قواتها في المنطقة.
وأشار إلى أن المدينة كانت تمثل خلال الفترة الماضية نقطة ارتكاز رئيسية لتحركات الدعم السريع وأن استعادتها تعني فقدان تلك القوات أحد أهم مراكزها العسكرية في شمال كردفان.
طريق الإمداد
وتبرز منطقة أم سيالة باعتبارها إحدى أكثر المناطق حساسية في المعركة الحالية نظراً لقربها من طريق الصادرات الذي يربط شمال كردفان بالعاصمة أم درمان.
ممر آمن
ويقول مختصون في الدراسات العسكرية إن تأمين أم سيالة يمنح الجيش ممراً آمناً لإرسال الإمدادات العسكرية واللوجستية إلى مدينة الأبيض كما يقلل بصورة كبيرة من احتمالات تنفيذ هجمات مباغتة على ولايتي النيل الأبيض والخرطوم من هذا المحور.
ويضيف الخبراء أن هذا التطور يمثل نقلة مهمة في إدارة العمليات العسكرية إذ يسمح للقوات المسلحة بتحريك القوات والعتاد بصورة أكثر انسيابية ويخفف الضغوط التي كانت تواجهها خطوط الإمداد خلال الأشهر الماضية.
مركز اقتصادي
ولا تقل أهمية جبرة الشيخ عن بارا وأم سيالة إذ تُعد محطة رئيسية على طريق الصادرات كما تمثل مركزاً اقتصادياً مهماً لتجارة المحاصيل والثروة الحيوانية فضلاً عن موقعها الذي يربط بين عدد من مناطق شمال وغرب كردفان.
ويرى راشد النعيم أن استعادة جبرة الشيخ تمنح الجيش قدرة أكبر على مراقبة الطرق الحيوية وقطع أي محاولات لتحريك الإمدادات أو التعزيزات العسكرية عبر هذا المحور كما تسهم في تأمين حركة المدنيين والتجارة بعد فترة طويلة من الاضطرابات الأمنية.
عمليات متزامنة
ويرى اللواء آدم محمد الأمين أن نجاح الجيش في التقدم على عدة محاور بصورة متزامنة شكّل أحد أبرز عوامل النجاح في العملية حيث أدى الضغط العسكري المتعدد إلى إرباك دفاعات قوات الدعم السريع وتقليص قدرتها على إعادة الانتشار.
ويشير الأمين إلى أن تنفيذ الهجوم بصورة متزامنة على بارا وأم سيالة والمحاور المجاورة أجبر مليشيا الدعم السريع على توزيع قواتها على أكثر من جبهة، وهو ما أضعف قدرتها على الصمود أمام التقدم العسكري.
كما أن الإعلان عن تدمير عشرات العربات القتالية والاستيلاء على آليات أخرى يعكس – وفق تقديرات عسكرية – حجم الخسائر التي تعرضت لها القوات المنسحبة ويحد من قدرتها على تنفيذ هجمات مضادة في المدى القريب.
مكاسب الجيش
ويضيف راشد النعيم الخبير في الشأن العسكري أن استعادة هذه المناطق لا تمثل مجرد انتصار ميداني وإنما تؤسس لمرحلة جديدة من العمليات العسكرية في كردفان.
ويؤكد النعيم أن الجيش بات أقرب إلى تحقيق اتصال بري أكثر أمناً بين أم درمان والأبيض، وهو هدف ظل يمثل أولوية عسكرية منذ اندلاع الحرب لما يوفره من سهولة في نقل القوات والإمدادات والإسناد اللوجستي.
كما أن تأمين هذه المناطق يمنح القوات المسلحة عمقاً دفاعياً أكبر حول مدينة الأبيض ويقلل من احتمالات تعرضها لهجمات من الجهة الشرقية بعد أن كانت المدينة تواجه ضغوطاً مستمرة من عدة اتجاهات.
ويتفق الخبراء الذين تحدثوا لـ الكرامة على أن هذا التطور قد يفتح المجال أمام عمليات لاحقة تستهدف المناطق المتبقية الواقعة على طريق الصادرات بما يعزز فرص استعادة السيطرة الكاملة على هذا الطريق الحيوي.
أبعاد مهمة
ويرى الدكتور يونس جبر الدار الخبير الاقتصادي أن أهمية استعادة بارا وجبرة الشيخ وأم سيالة لا تقتصر على الجانب العسكري فحسب بل تمتد إلى الجوانب الاقتصادية والإنسانية إذ تشكل هذه المناطق مراكز رئيسية لحركة التجارة ونقل البضائع والسلع بين وسط وغرب السودان.
ويقول جبر الدار إن إعادة تأمين هذه المحاور من شأنها أن تسهم في تسهيل وصول المساعدات الإنسانية وتنشيط حركة الأسواق، وعودة النشاط التجاري تدريجياً إلى جانب توفير بيئة أكثر استقراراً لعودة المواطنين الذين نزحوا بسبب المعارك.
كما أن السيطرة على هذه المناطق تعزز قدرة الدولة على استعادة مؤسساتها الخدمية والأمنية وهو ما يعد خطوة أساسية في جهود إعادة الاستقرار إلى شمال كردفان.
مرحلة جديدة
ويجمع محللون عسكريون على أن ما تحقق في بارا وأم سيالة وجبرة الشيخ يمثل أحد أهم التحولات الميدانية في شمال كردفان منذ اندلاع الحرب لما يحمله من تأثير مباشر على خطوط الإمداد ومسارات العمليات، وموازين السيطرة على الأرض.
ويرى هؤلاء أن المرحلة المقبلة ستتوقف على قدرة القوات المسلحة على تثبيت مواقعها في المناطق المحررة وتأمينها من أي محاولات للهجوم المضاد مع مواصلة التقدم نحو المناطق التي لا تزال تشهد وجوداً لقوات الدعم السريع.
وبالنسبة للجيش، فإن استعادة هذه المدن والبلدات لا تمثل نهاية المعركة بل بداية مرحلة جديدة عنوانها توسيع نطاق السيطرة وتأمين طريق الصادرات وربط مدينة الأبيض بالعاصمة عبر ممرات آمنة بما يعزز الموقف العملياتي للقوات المسلحة ويفرض واقعاً ميدانياً جديداً في إقليم كردفان قد تكون له انعكاسات واسعة على مسار الحرب في السودان خلال المرحلة المقبلة.






