اندياح
داليا الياس
“بختي…بختي”
ربما كل العلاقات يمكن إكتسابها ولا تُولد مكتملة…إلا علاقة الأمومة الفطرية… إن العلاقة بين الأم وأبنائها هي الوحيدة التي تبدأ نبضاً، ثم تكبر لتُصبح وطناً…. ولايمكن تفسيرها أو إستبدالها.
وفي مايتعلّق بالعلاقة بين الأم وإبنتها فى العصر الحديث تحديداً،..لم تعد هذه العلاقة مجرّد دور تقليدي تؤديه الأم…أو واجب تلتزم به الابنة… بل صارت مساحة إنسانية دافئة، تبحث عن الصدق قبل الكمال، وعن الإحتواء قبل المثالية.
في زمنٍ تتسارع فيه الحياة، وتتشابك فيه المشاعر، لم تعد البنت بحاجة إلى أم تُلقّنها كيف تعيش، بقدر ما تحتاج إلى أم تُصغي… تُنصت لقلبها حين يضطرب، وتفهم صمتها حين تعجز الكلمات عن البوح ! تحتاج إلى أم ترى ضعفها دون أن تُدينها، وتحتضن إرتباكها دون أن تُشعرها بالنقص..!.
أن تكون الأم صديقة لا يعني أن تتنازل عن مكانتها، بل أن تقترب… أن تُخفّف المسافات التي صنعتها السنوات، وأن تمد يدها بحنانٍ يطمئن… دون أن تعتمد الخوف والزجر كأداة للتربية.. فالبنت حين تشعر أن أمها ليست قاضياً أو جلاداً بل ملاذاً آمناً…. ستبوح لها بأدق تفاصيلها، وستشاركها تلك الزوايا الخفية التي لا يراها أحد.
الصراحة هنا في هذه العلاقة ليست مجرد كلمات تُقال، بل شجاعة عاطفية … أن تقول البنت ببساطة : (أنا خائفة) دون أن تُقابل بالتقليل والإستسهال…. وأن تقول الأم: (أنا قلقة عليكِ) دون أن تُخفي ذلك خلف القسوة والتشكيك…. الصراحة التي تُغلّف بالحب لا تجرح، بل تُرمّم… ولا تُفضح…، بل تُقرّب أكثر وتفتح المجال للخبرة والنضج ليتدخلا ويغلفا الإندفاع والحماس.
أما التفاهم… فهو تلك اللغة الصامتة التي تنشأ حين تتعانق القلوب قبل الكلمات… حين تنظر الأم في عيني ابنتها فتفهم ما لم يُقال.. وحين تشعر البنت أن أمها معها، لا عليها! التفاهم هو أن تختلفا… لكن لا تفترقا… أن تحتدّ المشاعر، لكن لا تنكسر الروابط.
في النهاية، أجمل ما يمكن أن تكون عليه العلاقة بين البنت وأمها في هذا العصر… أن تكون علاقة تُشبه (الحضن) …. دافئة، آمنة، صادقة !علاقة تعرف فيها البنت أن لها ظهراً لا يميل، وقلبًا لا يخون، وبيتاً لا يُغلق أبوابه مهما تكالبت عليها الحياة.
لأن الأم… ليست فقط من أنجبت… بل من إختارت أن تكون بكل حب ووعي… صديقةً لقلب إبنتها قبل أن تكون أماً لها….والشاهد في الأمر أن إبنتك ستكون يوماً ما هى الأم التي ترعى شيخوختك وتفتح أمامك نوافذ الحياة المتطوّرة… وتعينك بالمعرفة والحصافة على دهرك الخائن .
*تلويح:
إلى إبنتي البكر وصديقتي الأثيرة (إباء)….شكراً لأنكِ كنتِ من بين كل العالمين.. إبنتي.






