تزامناً مع موجات عودة كثيفة انتظمت العاصمة والولايات
الخدمات.. تحديات حكومة الأمل
المياه والكهرباء والصحة.. معالجات مطلوبة
تحسين مستوى المعيشة وكبح جماح الأسعار..دعم الاستقرار
تقرير: محمد جمال قندول
موجات العودة الكثيفة إلى العاصمة والولايات الأخرى من خارج البلاد فرضت معادلة صعبة على حكومة الأمل، تتطلب منها أن تفكر خارج الصندوق وتبتدع حلولاً غير تقليدية للنهوض بملف الخدمات، الذي بات يحتل مساحة كبيرة من اهتمام الرأي العام السوداني.
التحديات والأوضاع المعقدة تجعل حكومة الأمل اليوم في مجابهة محنة لا تقل عن الأدوار العسكرية للمقاتلين في الميادين، إذ تتمدد التساؤلات حول إمكانية فك شفرة المياه والكهرباء والخدمات الأخرى لمجابهة احتياجات العائدين.
تدمير وخراب
وشكلت عودة الحكومة الاتحادية للعاصمة في مطلع العام الجاري نقطة تحول كبيرة إذ استطاعت جذب العودة بأرقام كبيرة حيث تسجل معابر الخرطوم بشكل يومي دخول الفي شخص.
ويقول الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي د. عمار العركي بأن حكومة الأمل تسلمت دولة منهكة من قبل الحرب، لتأتي الحرب وتقضي على ما تبقى، على قلته وتواضعه. فالبنية الخدمية تعرضت لتدمير وخراب ممنهج طال قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم والطرق والاتصالات، حسب الخبير الاستراتيجي والمحلل السياسي عمار العركي.
وأضاف العركي في حديثه للكرامة: التحدي الحقيقي الذي يواجه حكومة الأمل، في ظل هذه المعطيات والتعقيدات، هو فك شفرة الخدمات، برغم محدودية الموارد، والاحتياجات المتزايدة، والتطلعات الشعبية المتعاظمة.
ويشير العركي إلى أن المواطن ينتظر أن تتحول المكاسب والانتصارات العسكرية إلى واقع خدمي ملموس يعيد الحياة الطبيعية إلى الولايات والمناطق المحررة، من خلال سرعة استعادة الكهرباء والمياه، وفتح المستشفيات والمدارس، وتأمين الإمدادات، وتسهيل عودة المواطنين إلى مناطقهم.
كذلك تواجه حكومة الأمل تحديات مركبة؛ فهناك نقص في التمويل، وضعف في البنية المؤسسية، ودمار كبير خلفته المليشيا المتمردة، إلى جانب استمرار التهديدات الأمنية في بعض المناطق. لكن هذه التحديات، مهما بلغت صعوبتها، لا تعفي مؤسسات الدولة من ضرورة الانتقال إلى إدارة تنفيذية أكثر كفاءة، تقوم على تحديد الأولويات، وتنسيق الجهود بين المركز والولايات، وإشراك القطاع الخاص والمجتمعات المحلية في معركة إعادة الإعمار.
ويرى العركي أن المرحلة المقبلة تتطلب برنامجاً عملياً يركز على النتائج لا الشعارات، ويعزز الثقة بين الحكومة والمواطن. فمعركة الخدمات ليست أقل أهمية من المعركة العسكرية؛ لأنها المعركة التي ستثبت قوة الدولة وتماسكها وقدرتها على ترسيخ الاستقرار، وتحويل النصر العسكري إلى نصر في حياة الناس اليومية.
لكن قبل كل هذا، يلفت العركي إلى أن هناك تحدٍ آخر لا يقل أهمية يتمثل في جاهزية الكوادر التنفيذية، وكفاءة التخطيط، وسرعة تحويل القرارات إلى نتائج ملموسة. فإدارة دولة خارجة من حرب غير تقليدية تتطلب عقليات استثنائية تمتلك القدرة على إدارة الأزمات، والعمل بروح الفريق، واتخاذ القرار في الوقت المناسب.
وختم محدّثي، لذلك فإن حكومة الأمل مطالبة ببناء غرفة عمليات تنفيذية تتابع الأداء يوماً بيوم، وتضع مؤشرات واضحة للإنجاز، وتُخضع المؤسسات للمساءلة على النتائج لا على النوايا. فالمواطن لا ينتظر تبريرات بقدر ما ينتظر تحسناً ملموساً في الكهرباء والمياه والصحة والتعليم.
حكومة جديدة
ويقول الخبير الاقتصادي د. هيثم محمد فتحي إنه أمام الحكومة الحالية- التي ما زلنا نعتبرها حكومة جديدة على الرغم من التغيرات التي حدثت في تشكيلها، والوقت الذي مضى على تشكيلها- عدة صعوبات وعقبات، بعضها حديث ونراه يتجدد كل يوم، وبعضها قديم ومتوارث منذ سنوات طوال، وبعضها أصبحنا نراه بشكل يومي.
تشكل الموارد الطبيعية والزراعية مصدرًا مهمًا على صعيد الدخل الوطني، فالسودان يمتلك موارد يمكن أن تشكل قاعدة للنهوض الاقتصادي إذا أُعيد استثمارها بشكل فعال. فيما يرى فتحي ضرورة إعادة ترتيب أولويات الإنفاق الحكومي بما يواكب متطلبات الإصلاح، واعتماد الإيرادات الضريبية كمورد ثابت خلال المرحلة المقبلة.
وتواجه الحكومة مزيجًا من التحديات المعقدة والمتشابكة، من اقتصاد عالمي متقلب وضغوط داخلية معيشية، إلى ضرورة تعزيز الاستقرار السياسي وإصلاح بيئة الأعمال، مع إدارة دقيقة للعلاقات الإقليمية والدولية.
والنجاح في التعامل مع هذه الملفات يتطلب استراتيجيات واضحة، وتنفيذًا فعالًا، وتعاونًا مستمراً.
أيضاً، مثلث الفقر، والبطالة، وعدم مساواة الدخل، هذه القضايا تمثل ضغوطًا أساسية على الاستقرار الاجتماعي، وتتطلب سياسات حماية اجتماعية وتوظيفاً أفضل.
ويشير د. هيثم إلى أنه من أهم التحديات تحسين مستوى معيشة المواطنين، وذلك بمكافحة ارتفاع الأسعار، وخفض معدلات التضخم، وتحسين الخدمات، وتوسيع فرص العمل للشباب.
كما تواجه الحكومة تحديات مالية وهيكلية ضخمة، أبرزها الوضع الاقتصادي المحلي، وعجز الموازنة، واستمرار العقوبات أو القيود الدولية المعلنة أو غير المعلنة، والشروط السياسية الصارمة من الجهات المانحة، وضعف البنى التحتية والمؤسسات الإدارية لتنفيذ المشاريع بكفاءة عالية.
وختم محدّثي، فالسودان، الخارج من حرب دمرت عن قصد البنى التحتية ومقدرات وأملاك المواطنين السودانيين، بالتأكيد لا يمتلك فوائض مالية أو نظامًا مصرفيًا فاعلًا، كما أن قدرته على جذب التمويل الخارجي مرهونة بتوفر شروط سياسية صعبة، والحوكمة الرشيدة، وكثير من المتطلبات التي تُعد غائبة.
لكن، تزخر البلاد بموارد وطنية ضخمة لم تُوظف بفعالية، وعلى رأسها الزراعة، والذهب، وتحويلات السودانيين في الخارج. فكل هذه الموارد يمكن إعادة توظيفها للاستفادة منها في تمويل إعادة الإعمار والبناء والتنمية المستدامة، خاصة في مجال الخدمات.






