أدلة جديدة تفتح ملف المجازر بالمدينة المنكوبة
الفاشر ..جرائم الجنجويد
“30” جثة متيبسة قرب طويلة .. مأساة المدنيين
مقتل أكثر من “6” آلاف شخص خلال ثلاثة أيام..انتهاكات دقلو
تقارير دولية وشهود وأقمار اصطناعية ..توثيق للكوارث
تقرير – رحمة عبدالمنعم
كلما خُيّل للسودانيين أن مأساة الفاشر كشفت آخر فصولها، ظهرت من بين رمال شمال دارفور شواهد جديدة تعيد فتح جراح المدينة، وتكشف حجم الكارثة الإنسانية التي رافقت سقوط المدنيين وهم يحاولون الفرار من الموت،ففي أحدث الأدلة المروعة، عُثر على نحو 30 جثة تعود لمدنيين لقوا حتفهم على يد قوات مليشيا الدعم السريع أثناء محاولتهم الفرار من مدينة الفاشر، على الطريق الرابط بين الفاشر ومحلية طويلة بولاية شمال دارفور، وفقًا لمصادر محلية.
جبل صراطي
وقالت المصادر لموقع «دارفور24» إن الجثث ال30 اكتشفها مواطنون كانوا يجمعون الحطب في محيط جبل صراطي، على بعد نحو خمسة كيلومترات شرق طويلة، وتم دفن الجثامين في مقبرة جماعية قبل يومين، مشيرة إلى أن الجثث كانت في حالة تحلل وجفاف نتيجة بقائها لفترة طويلة في العراء.
ورجحت المصادر أن الضحايا لقوا مصرعهم أثناء محاولتهم الفرار من الفاشر على يد مليشيا الدعم السريع في أواخر أكتوبر الماضي، دون أن تتمكن من تحديد هوياتهم.
وتضيف الجثامين الثلاثون رقماً جديداً إلى إحصاءات ضحايا الحرب؛ فخلف كل جثمان أسرة ربما ما تزال تنتظر عودة ابن أو أب أو أم، وخلف كل جسد بقي في العراء قصة نجاة لم تكتمل، ورحلة بحث عن الأمان انتهت في صمت على طريق النزوح.
“درب للموت”
ويُعد الطريق الرابط بين الفاشر وطويلة أحد أخطر مسارات النزوح في شمال دارفور، إذ يعتمد عليه آلاف المدنيين الفارين من القتال للوصول إلى مناطق أكثر أماناً.
وكانت منظمات إنسانية وحقوقية قد حذرت مطلع العام الجاري من تحول الطريق إلى ما وصفته بـ«رمز للموت الصامت»، مؤكدة أن مئات المدنيين فقدوا حياتهم خلال رحلة النزوح بسبب هجمات الجنجويد أو الجوع والعطش والإرهاق، في ظل غياب الممرات الآمنة وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية.
واليوم، تبدو الجثث التي ظهرت قرب جبل صراطي وكأنها شاهد جديد على حجم المأساة التي عاشها المدنيون بين الفاشر وطويلة؛ أولئك الذين خرجوا من مدينة أنهكتها الحرب بحثاً عن الحياة، فلاحقهم الموت حتى خارج حدودها.
وتضاف هذه الواقعة إلى سلسلة من الشهادات والوقائع التي توثق ارتكاب مليشيا الدعم السريع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين في الفاشر ومحيطها، في واحدة من أكثر صفحات الحرب السودانية قسوة ودموية.
دموية
وفي السياق ذاته، قال عضو مجلس الشيوخ الأميركي، السيناتور كريس فان هولين، إن مليشيا الدعم السريع ارتكبت واحدة من أكثر الهجمات دموية خلال الحرب في السودان، مشيراً إلى أن الهجوم على مدينة الفاشر في أكتوبر الماضي أسفر عن مقتل أكثر من 6 آلاف شخص خلال ثلاثة أيام.
وأوضح فان هولين، خلال تصريحات الخميس 6 أغسطس تناولت تطورات الحرب في السودان، أن الرقم يستند إلى ما وثقته الأمم المتحدة بشأن الهجوم على الفاشر، واصفًا قوات الدعم السريع بأنها «مجموعة شديدة الدموية».
وأكد السيناتور أن الولايات المتحدة صنفت قوات الدعم السريع باعتبارها مسؤولة عن إبادة جماعية، داعياً واشنطن إلى اتخاذ خطوات تحول دون وقوع «إبادة جماعية جديدة» في السودان.
وكان تقرير صادر عن مفوضية الأمم المتحدة السامية لحقوق الإنسان قد وثق مقتل أكثر من ستة آلاف شخص خلال الأيام الثلاثة الأولى من الهجوم الذي شنته قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر 2025، معتبراً أن الانتهاكات المرتكبة قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية.
تراكم الأدلة
وتحولت مدينة الفاشر خلال الشهور الماضية إلى واحدة من أبرز صور الكارثة السودانية في التغطية الدولية، مع تداول تقارير صحفية وحقوقية دولية، وشهادات ناجين، ومواد بصرية، وتحليلات لصور أقمار اصطناعية قالت جهات دولية إنها تكشف آثار الدمار وجرائم مليشيا الدعم السريع.
وتقاطعت تلك المواد، بحسب الجهات التي نشرتها، مع شهادات عن عمليات قتل وانتهاكات ضد المدنيين، الأمر الذي وضع الفاشر في قلب الاهتمام الدولي، وحوّل مأساتها إلى قضية واسعة التداول في وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي.
وما جرى في الفاشر يمثل، وفق المعطيات والشهادات الواردة بشأن المدينة، واحداً من أبشع فصول الحرب السودانية بحق المدنيين. فالقتل لم يتوقف عند خطوط الاشتباك، والنزوح لم يكن طريقاً مضموناً للنجاة، وبين البيوت المحاصرة والطرقات الخطرة والجوع والعطش، وجد آلاف المدنيين أنفسهم بلا حماية حقيقية.
إن العثور على جثامين جديدة بعد شهور من الأحداث يبعث برسالة مؤلمة مفادها أن ملف الضحايا لم يُغلق، وأن الأرض نفسها ما تزال تكشف، تباعاً أسرار ما حدث.
وقد ساهم الانتشار العالمي لتقارير الفاشر في فضح حجم انتهاكات قوات الدعم السريع، وإعادة تسليط الضوء على دولة الإمارات بشأن دعم المليشيا بالسلاح والمرتزقة.






