سطّر لوحات من الشجاعة والاستبسال في حرب الكرامة
الجيش.. قاهر الجنجويد
احتفل بعيده في 2026.. انتصر في حرب غير مسبوقة
المفاجأة النتائج مقارنة بحجم العدوان.. نجاح استراتيجي
خبير : الجيش والدولة واجها ضغوطاً سياسية وإعلامية كبيرة
تقرير: محمد جمال قندول
يبقى ما قدمته القوات المسلحة في حرب الكرامة أشبه بالمعجزة، إذ استطاع الجيش هزيمة مخطط داخلي بدعم خارجي.
وما بين 15 أبريل 2023 وأغسطس 2026 الجاري، رسم أبطال القوات المسلحة لوحات من قهر المستحيل، حيث سطروا ملامح ستُدرس للأجيال، وسط حالة من الدهشة، خاصة من العالم الخارجي الذي لا يزال محتارًا حول كيفية هزيمة الجيش لمليشيا مدججة بالسلاح والتجهيزات وبدعم خارجي من دولة الإمارات.
عيد مختلف
واستطاع الجيش قلب معادلة البدايات وذلك بفضل حنكة وقوة المؤسسة العسكرية إذ حرر ولايات الخرطوم وسنار ومدني حيث قدم أبطال الجيش تضحيات وبطولات مهرت بدماء غالية في سبيل صون سيادة البلاد وتحريرها من رجس التمرد.
ويقول العميد الدكتور جمال الشهيد الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية أن عيد القوات المسلحة السودانية في عام 2026 يأتي مختلفاً عن كل أعياد الجيش السابقة؛ لأنه يأتي في ظل حرب غير مسبوقة في طبيعتها وأهدافها وتعدد أطرافها ومسارحها، كما يأتي في وقت استطاعت فيه القوات المسلحة أن تنتقل من مرحلة الدفاع عن وجودها ومؤسسات الدولة إلى مرحلة استعادة المبادرة وفرض معادلات جديدة على الأرض.
وأضاف الشهيد إن قراءة مسيرة الحرب منذ اندلاعها تقتضي النظر إليها باعتبارها حرباً متعددة الأبعاد، لم تكن المعركة فيها عسكرية فقط، وإنما تداخلت فيها الأبعاد السياسية والإعلامية والدبلوماسية والاقتصادية واللوجستية والنفسية، وهو ما جعل بقاء القوات المسلحة متماسكة واستعادتها للمبادرة أمراً بالغ الدلالة من المنظور الاستراتيجي.
وتابع العميد الدكتور جمال الشهيد أن عيد الجيش هذا العام يمثل لحظة للتأمل في واحدة من أكثر التجارب العسكرية تعقيداً في التاريخ السوداني الحديث. فالقوات المسلحة، بحسب تقديره، لم تواجه خلال هذه الحرب خصماً عسكرياً داخل مسرح عمليات تقليدي فحسب، وإنما واجهت حرباً مركبة ومتعددة المستويات، امتدت آثارها إلى مؤسسات الدولة والمجتمع والاقتصاد والإعلام والعلاقات الخارجية.
ومن هنا، فإن أهمية عيد الجيش هذا العام تكمن في أن القوات المسلحة استطاعت، رغم قسوة الظروف، أن تحافظ على تماسكها المؤسسي، وأن تعيد ترتيب أوراقها، ثم تنتقل تدريجياً إلى استعادة المبادرة العسكرية. ويؤكد الشهيد أن المعنى الأعمق لهذه المناسبة هو أن الدولة السودانية استطاعت أن تبقى قائمة رغم الحرب، وأن مؤسساتها الرئيسية لم تنهَر، وأن القوات المسلحة بقيت تمثل أحد أهم أعمدة هذه الدولة.
ويواصل محدثي بأن واحدة من أهم زوايا قراءة الحرب السودانية تتمثل في أن بداياتها حملت مؤشرات على رهان كبير على إحداث انهيار سريع في منظومة الدولة والقوات المسلحة، مستفيداً من عنصر المفاجأة، واتساع الانتشار داخل العاصمة، وتعقيد المشهد السياسي والأمني. لكن هذا الرهان لم يتحقق.
وزاد بالقول : إن القيادة السودانية والعسكرية اتخذت، مع تطور الحرب، مجموعة من القرارات والإجراءات التي ساعدت على منع الانهيار وإعادة بناء القدرة على إدارة المعركة. ومن أهم هذه الإجراءات، في تقديره، الحفاظ على تسلسل القيادة والسيطرة، وإعادة ترتيب الأولويات العملياتية، والمحافظة على القوات والوحدات القتالية، وتوسيع قاعدة الإسناد الشعبي، وتعزيز التنسيق بين القوات المسلحة والقوات المشتركة والقوات المساندة، إلى جانب تطوير إدارة المعركة وفق طبيعتها المتغيرة.
ويضيف أن أحد أهم القرارات الاستراتيجية كان عدم التعامل مع الحرب باعتبارها معركة قصيرة يمكن حسمها خلال أيام أو أسابيع، وإنما بناء القدرة على خوض حرب طويلة متعددة المسارح. وهنا، بحسب تقديره، حدث التحول الحقيقي.
ويؤكد الشهيد أنه من الخطأ تحليل الحرب السودانية من زاوية الميدان وحده. فالمعركة امتدت إلى عدة محاور متزامنة: عسكري، أمني، إعلامي، دبلوماسي، اقتصادي، إنساني ونفسي.
ضغوط سياسية
وتتزامن احتفالات عيد الجيش هذا العام مع انتعاش العاصمة الخرطوم بعودة الحكومة الاتحادية وكذلك موجات العائدين لها من المواطنين بأرقام كبيرة.
ويعود الشهيد للتعليق ويقول أن القوات المسلحة والدولة واجهتا ضغوطاً سياسية وإعلامية ودبلوماسية كبيرة، إلى جانب تحديات الإمداد والتموين والموارد، ومع ذلك تمكنت القيادة من الحفاظ على الحد الأدنى الضروري لاستمرار مؤسسات الدولة وإدارة العمليات.
وأشار جمال إن هذه النقطة تحديداً مهمة لفهم ما حدث؛ لأن الجيش لم يكن مطالباً بالقتال في الجبهة فقط، وإنما كان مطالباً في الوقت ذاته بالحفاظ على مؤسسة الدولة وقدرتها على العمل والصمود.
العميد الدكتور جمال الشهيد ذكر أن الحروب لا تُقاس دائماً بحجم الأموال أو كمية السلاح، وإنما بقدرة القيادة على تحويل الموارد المتاحة إلى قدرة قتالية مؤثرة. ويضيف أن القوات المسلحة استفادت من مجموعة من عناصر القوة المتراكمة لديها، وعلى رأسها الخبرة العسكرية، والهيكل المؤسسي، والقيادة والسيطرة، والقوة الجوية، والاستخبارات والاستطلاع، والقدرة على إعادة توزيع القوات، إلى جانب عامل بالغ الأهمية يتمثل في القدرة على التعلم والتكيف مع طبيعة الحرب الجديدة.
فالحرب، بحسب وصفه، تطورت من حرب داخل المدن إلى حرب مسيرات واستطلاع وحرب إلكترونية وإمداد طويل المدى وعمليات على مسارح واسعة، وكان على القوات المسلحة أن تتكيف مع كل هذه المتغيرات.
ويؤكد أن الجيش الذي استطاع أن يتعلم من ميدان المعركة هو الذي استطاع لاحقاً أن يغير قواعد الاشتباك.
ويقول العميد الدكتور جمال الشهيد إن التحول لم يحدث بصورة مفاجئة، وإنما جاء نتيجة تراكم عملياتي واستراتيجي. فبعد مرحلة امتصاص الصدمة الأولى وإعادة تنظيم الصفوف، بدأت القوات المسلحة في استعادة المبادرة تدريجياً، ثم انتقلت إلى تنفيذ عمليات أكثر تنسيقاً، مستفيدة من المعلومات والاستخبارات والاستطلاع والقوة الجوية والمدفعية والقوات البرية والقوات المساندة.
ويشير إلى أن الانتصارات التي تحققت في عدد من المحاور لم تكن مجرد تقدم جغرافي، وإنما كان بعضها ذا أثر استراتيجي؛ لأنه أعاد فتح طرق ومحاور، وفك حصارات، وأعاد السيطرة على مناطق ذات أهمية عملياتية، وأعاد تشكيل ميزان الحركة والإمداد.
ويقول: «ما وصفه البعض بالانتصارات الأسطورية لا يمكن تفسيره بالصدفة؛ فالانتصار العسكري الكبير هو في العادة نتيجة تراكم من القرارات الصحيحة، والقدرة على الصبر، وحسن إدارة الموارد، وامتلاك المعلومات، واستغلال أخطاء الخصم، والحفاظ على الروح المعنوية».
واضاف العميد الدكتور جمال الشهيد أن أحد أهم المتغيرات التي لا يمكن تجاهلها هو أن الحرب تحولت، في جانب كبير منها، إلى اختبار للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والشعب السوداني.
ويقول إن القوات المسلحة استطاعت، رغم الأخطاء والضغوط والتحديات، أن تحافظ على قدر كبير من الحاضنة الشعبية، خصوصاً في اللحظات التي شعر فيها قطاع واسع من السودانيين بأن المعركة تجاوزت الصراع العسكري وأصبحت مرتبطة ببقاء الدولة نفسها.
الشهيد في معرض الطرح يضيف بالقول : «الجيش لم يكسب معركة الأرض فقط، وإنما كسب في الوقت ذاته معركة الوعي الشعبي؛ وهذه ربما كانت من أهم التحولات التي غيرت مسار الحرب». فالحاضنة الشعبية، بحسب تقديره، وفرت دعماً معنوياً ومجتمعياً ولوجستياً مهماً، ورفعت قدرة الدولة على الصمود أمام حرب طويلة.
ووصف الدكتور جمال الشهيد ما حدث بالمعجزة من زاوية المفاجأة التي أحدثتها النتائج مقارنة بالتوقعات التي كانت سائدة في بداية الحرب، لكنه يفضل من الناحية العسكرية وصفه بأنه نجاح استراتيجي نتج عن الصمود والتكيف وحسن إدارة الموارد والوقت والمعركة. وأردف بالقول : «المعجزات في لغة العسكر تُصنع أحياناً من تراكم القرارات الصحيحة في الظروف المستحيلة».
ويشير إلى أن الجيش واجه حرباً شديدة التعقيد، ومع ذلك حافظ على بنيته، واستعاد المبادرة، وطور أساليب قتاله، واستفاد من أخطاء خصمه، وتمكن من نقل المعركة تدريجياً إلى مساحات أوسع.
وهذا، في تقديره، هو جوهر التحول الاستراتيجي الذي يجب أن يُقرأ في عيد القوات المسلحة هذا العام.
يقول العميد الدكتور جمال الشهيد: «الشعب السوداني هو صاحب المصلحة الأولى في بقاء الدولة ووحدتها، ولذلك فإن الانتصار الحقيقي لا ينبغي أن يكون انتصار مؤسسة على مؤسسة أو طرف على طرف، وإنما انتصار السودان على الحرب والانقسام والفوضى».
ويضيف أن المرحلة القادمة ستكون أصعب من الناحية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لأن المحافظة على الانتصار العسكري تحتاج إلى بناء السلام، وإعادة الإعمار، وعودة النازحين والمهجرين، وإعادة بناء مؤسسات الدولة، ورتق النسيج الاجتماعي.
ويري الشهيد أن القوات المسلحة، بعد أن خاضت معركة البقاء، ستكون أمام مسؤولية وطنية كبيرة في مرحلة ما بعد الحرب، تتمثل في المساهمة في بناء دولة قوية ومستقرة وفق ما يقرره الشعب السوداني.
ويقول العميد الدكتور جمال الشهيد بالقول إن عيد القوات المسلحة الـ72 يأتي في لحظة يمكن وصفها بأنها عيد الصمود الذي تحول إلى مبادرة، وعيد المؤسسة التي استطاعت أن تتجاوز واحدة من أخطر مراحل تاريخها.
ويضيف: «لقد حاولت الحرب أن تجعل من القوات المسلحة جزءاً من أزمة الدولة، فإذا بها تتحول إلى أحد أهم عوامل بقاء الدولة. وحاولت رهانات عديدة أن تجعل انهيار الجيش بداية لانهيار السودان، فإذا بالجيش يستعيد توازنه ويعيد رسم المعادلة».
وبحسب العميد جمال فأن أكبر درس استراتيجي من هذه الحرب هو أن الجيوش لا تُقاس فقط بعدد الأسلحة وحجم الموازنات، وإنما بصلابة المؤسسة، وكفاءة القيادة، والقدرة على التكيف، والإرادة القتالية، والقدرة على تحويل الزمن والموارد والبيئة الشعبية إلى عناصر قوة.
ويختتم: «في عيد القوات المسلحة السودانية، التحية لكل ضابط وجندي يقف في موقعه، والرحمة لشهداء الوطن، والشفاء للجرحى، والتحية للشعب السوداني الذي تحمل واحدة من أقسى الحروب. لقد كانت المعركة معركة بقاء، والمرحلة القادمة يجب أن تكون معركة بناء؛ لأن الغاية النهائية ليست أن ينتصر الجيش على خصمه، وإنما أن ينتصر السودان على الحرب، ويستعيد دولته وأمنه ووحدته ومكانته».






