باشر مهامه بمكتبه للمرة الأولى منذ بدء حرب المليشيا
البرهان في «القصر».. استعادة رمز السيادة
الرئيس اعتمد عدداً من السفراء الجدد.. دلالات مهمة
عودة المؤسسات للعمل من الخرطوم.. عودة مركز القرار
السودان يمتلك مؤسسات وطنية قادرة على الصمود.. الرسالة الأهم
تقرير: محمد جمال قندول
تزامناً مع احتفالات البلاد بعيد القوات المسلحة، ظهر رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان أمس الأول في القصر الجمهوري للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب، حيث باشر مهامه بمكتبه داخل القصر، في أبلغ رد للمليشيا والإمارات وداعميها، وكأنه يقول لهم: «خاب ظنكم».
واعتمد رئيس مجلس السيادة عدداً من سفراء الدول الجدد.
الظهور في القصر الرئاسي كان له دلالات مهمة.
استعادة الدولة
ويمثل وصول السيد رئيس مجلس السيادة، القائد العام للقوات المسلحة، الفريق أول الركن عبد الفتاح البرهان، إلى القصر الجمهوري واعتماده عدداً من السفراء الجدد عقب عودة الحكومة لمباشرة أعمالها من العاصمة الخرطوم، حدثاً مهماً تتجاوز دلالاته حدود الإجراء البروتوكولي لاعتماد السفراء، ليرتبط بصورة مباشرة بمسار استعادة الدولة السودانية لمؤسساتها وقدرتها على ممارسة وظائفها الطبيعية بعد مرحلة استثنائية فرضتها الحرب، حسب الخبير الاستراتيجي والأمني د. أسامة محمد عبد الرحيم.
وتنبع أهمية هذا الحدث، وفق أسامة، من رمزيته السياسية والوطنية؛ فعودة مؤسسات الدولة للعمل من العاصمة الخرطوم تمثل خطوة مهمة في اتجاه استعادة مركز القرار الوطني، فالخرطوم ليست مجرد مقر إداري للحكومة، وإنما هي عاصمة الدولة ورمز سيادتها ووحدة مؤسساتها. وعودة العمل الرسمي من داخلها تؤكد أن الدولة السودانية، رغم حجم التحديات التي واجهتها، ما زالت تمتلك القدرة على استعادة حضورها ومواصلة أداء مهامها.
كما أن اعتماد السفراء الجدد من القصر الجمهوري يحمل رسالة واضحة على مستوى العلاقات الخارجية، مفادها أن السودان مستمر في ممارسة دوره كدولة ذات سيادة، وأن مؤسساتها تواصل أداء مسؤولياتها في إدارة علاقاتها الدولية، وحماية مصالحها الوطنية، وبناء شراكاتها الخارجية وفق رؤية تخدم أمنها واستقرارها.
وتزداد أهمية هذا الحدث، حسب الخبير الأمني أسامة، لكونه يتزامن مع الذكرى الثانية والسبعين لأعياد القوات المسلحة السودانية التي تصادف الأمس 14 أغسطس، وهي مناسبة وطنية تستدعي استحضار تاريخ مؤسسة ارتبط وجودها بتاريخ الدولة السودانية الحديثة، وظلت لعقود طويلة واحدة من أهم مؤسسات السيادة الوطنية.
ويواصل أسامة في سرده، فمنذ تأسيسها، حملت القوات المسلحة السودانية مسؤولية الدفاع عن الوطن وحماية حدوده وصون استقلاله، وشاركت في العديد من المحطات التاريخية التي مرت بها البلاد، وقدمت أجيال متعاقبة من الضباط والجنود تضحيات كبيرة في سبيل أداء واجبها الوطني. وقد ظل سجلها حافلاً بالمواقف التي ارتبطت بالدفاع عن السودان في مختلف الجبهات، سواء في مواجهة التهديدات الخارجية أو في التعامل مع الأزمات الداخلية التي شهدتها البلاد عبر تاريخها.
مؤسسة وطنية
ويرى الخبير الاستراتيجي والأمني د. أسامة عبد الرحيم أن الحديث عن القوات المسلحة لا يتعلق فقط بالسلاح والقدرة العسكرية، وإنما يتعلق بمؤسسة وطنية تشكلت عبر عقود من الخبرة والتقاليد العسكرية، وضمت بين صفوفها أبناء مختلف مناطق السودان، وظلت تمثل أحد مكونات الدولة التي تحملت مسؤولية الحفاظ على وحدة البلاد وسيادتها.
وفي عيدها الثاني والسبعين، تأتي المناسبة هذا العام في ظروف استثنائية، بعد الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023م، والتي وضعت الدولة ومؤسساتها أمام اختبار كبير. وقد وجدت القوات المسلحة نفسها في مواجهة تحدٍ غير مسبوق تمثل في الدفاع عن مؤسسات الدولة ومنع انهيارها، وتحملت خلال هذه المرحلة أعباء كبيرة وتضحيات جسيمة في سبيل الحفاظ على كيان الدولة السودانية.
ويشير أسامة إلى أن الجمع بين عودة الحكومة للعمل من الخرطوم واعتماد السفراء الجدد وذكرى عيد القوات المسلحة يحمل رسالة مهمة، وهي أن معركة بناء الدولة لا تنفصل عن معركة حمايتها. فالدولة القوية هي التي تمتلك مؤسسات قادرة على الدفاع عن سيادتها، وفي الوقت ذاته قادرة على إدارة الحكم، وإقامة علاقاتها الخارجية، وتحقيق الاستقرار والتنمية.
وتتطلّب المرحلة المقبلة حسب أسامة، البناء على ما تحقق، والانتقال من مرحلة حماية الدولة ومؤسساتها إلى مرحلة إعادة الإعمار وتطوير مؤسساتها، بما يضمن قيام دولة أكثر قوة واستقراراً وقدرة على مواجهة تحديات المستقبل.
وختم محدّثي، وفي ذكرى عيد القوات المسلحة، فإن التحية واجبة لكل شهداء القوات المسلحة وكل من قدموا أرواحهم دفاعاً عن الوطن، كما أن التحية موصولة لكل الضباط والجنود الذين يواصلون أداء واجبهم في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ السودان. فالرسالة الأهم في هذه المناسبة أن السودان يمتلك مؤسسات وطنية قادرة على الصمود، وأن استعادة الدولة لوظائفها الطبيعية تمثل الخطوة الأولى نحو بناء مستقبل يليق بتضحيات الشعب السوداني.






