كان في استقباله رئيس الأركان التركي ووزير الدفاع “العطا” في أنقرة.. زيارة استراتيجية

كان في استقباله رئيس الأركان التركي ووزير الدفاع

“العطا” في أنقرة.. زيارة استراتيجية

العلاقات السودانية التركية تشهد تطوراً كبيراً.. وتيرة متسارعة

دعوة رسمية ومباحثات مغلقة.. دلالات ومؤشرات

المرحلة المقبلة تتجاوز الحاجة للسلاح فقط.. البناء والإعمار

تقرير:محمد جمال قندول

وصل عضو مجلس السيادة رئيس أركان القوات المسلحة الفريق أول ركن ياسر العطا العاصمة التركية أنقرة في زيارة رسمية.
واستقبل وزير الدفاع التركي يشار غولر الفريق أول ياسر العطا، الذي وصل وذلك بحضور رئيس الأركان التركي الفريق أول سلجوق بيرقدار أوغلو ظهر أمس الإثنين.
إدارة معتدلة
وتشهد العلاقات التركية السودانية تطوراً كبيراً بوتيرة متسارعة، وليس ببعيد تصريحات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قبيل أيام في حوار للجزيرة حيث أكد استمرار بلاده في دعم السودان والحفاظ على مؤسساته.
أردوغان أشار إلى أنه خلال زيارة البرهان الأخيرة لتركيا رأى قائد السودان بصفته رئيساً قائداً يليق بالسودان.
وأوضح أن لتركيا علاقة جيدة مع رئيس مجلس السيادة قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، وتابع بأن في السودان إدارة معتدلة ومثالية ويوجد قائد يليق ببلاده، وفق تعبيره.
ويرى العميد الدكتور جمال الشهيد، الخبير الاستراتيجي المتخصص في الشؤون الأمنية والعسكرية، أن زيارة السيد رئيس هيئة الأركان للقوات المسلحة السودانية، الفريق أول ركن ياسر عبد الرحمن حسن العطا، إلى العاصمة التركية أنقرة، بدعوة واستضافة رسمية من رئيس الأركان التركي، تمثل مؤشراً مهماً على مستوى العلاقات العسكرية والدفاعية بين السودان وتركيا، وتحمل دلالات تتجاوز الطابع البروتوكولي للزيارات العسكرية.
ويشير د. جمال إلى أن طبيعة الاستقبال التركي ووصف رئيس هيئة الأركان السوداني بأنه ضيف رسمي لرئيس الأركان التركي يعكسان مستوى واضحاً من الاهتمام بالعلاقات العسكرية بين البلدين، ويؤكدان وجود رغبة في تطوير قنوات التواصل والتعاون بين المؤسستين العسكريتين في الدولتين الشقيقتين، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يمر بها السودان بصفة خاصة والمنطقة بصفة عامة.
ويضيف أن توقيت الزيارة يكتسب أهمية خاصة، في ظل التطورات العسكرية والتكنولوجية التي فرضتها الحرب السودانية منذ أبريل 2023، والتي أظهرت أن طبيعة الصراعات الحديثة لم تعد تعتمد على القوة التقليدية وحدها، وإنما أصبحت التكنولوجيا العسكرية والاستخبارات والاستطلاع والحرب الإلكترونية والطائرات المسيّرة ومكافحة المسيّرات عناصر أساسية في إدارة العمليات وتحقيق التفوق الميداني.
تطور
يؤكد العميد الدكتور جمال الشهيد أن تركيا أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من الدول الصاعدة في مجال الصناعات الدفاعية والتكنولوجيا العسكرية، وحققت تطوراً ملحوظاً في مجالات الطائرات المسيّرة، وأنظمة الاستطلاع والمراقبة، والاتصالات، والحرب الإلكترونية، وأنظمة الدفاع، إلى جانب امتلاكها خبرات متقدمة في توطين الصناعات العسكرية وتطوير القدرات الوطنية.
ويرى أن هذا الواقع يفتح المجال أمام السودان للانتقال من مفهوم التعاون العسكري التقليدي إلى شراكة دفاعية استراتيجية أكثر شمولاً، تشمل التدريب والتأهيل، وتبادل الخبرات، وتطوير أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، وتعزيز قدرات الاستطلاع، ومكافحة المسيّرات، والاستفادة من التجربة التركية في التصنيع والصيانة وتوطين التكنولوجيا الدفاعية.
ويشير د. جمال إلى أن السودان لا يحتاج في المرحلة المقبلة إلى السلاح فقط، وإنما يحتاج بصورة أكبر إلى المعرفة والخبرة والتكنولوجيا وبناء القدرات الوطنية المستدامة، موضحاً أن التجربة التي فرضتها الحرب الحالية أكدت أن امتلاك منظومة دفاعية متكاملة أصبح أكثر أهمية من مجرد امتلاك كميات كبيرة من الأسلحة والمعدات.
ويضيف أن أي تعاون دفاعي سوداني تركي يجب أن ينظر إليه من منظور استراتيجي طويل المدى، بحيث لا يقتصر على متطلبات الحرب الحالية، وإنما يمتد إلى مرحلة ما بعد الحرب، حيث سيكون السودان أمام تحديات كبيرة تتعلق بتأمين الحدود والمجال الجوي والموانئ والمنشآت الحيوية، ومواجهة الجريمة المنظمة والتهريب والتهديدات غير التقليدية، بالإضافة إلى نقل تجربة الأمن السيبراني التي تميزت بها جمهورية تركيا الشقيقة.
رسالة
وفي البعد السياسي والدبلوماسي، يرى العميد الدكتور جمال الشهيد أن الزيارة تحمل رسالة مهمة مفادها أن السودان يمتلك خيارات واسعة في بناء علاقاته الخارجية وشراكاته الاستراتيجية، وأن الخرطوم تسعى إلى تعزيز علاقاتها مع الدول التي يمكن أن تقدم إسهاماً حقيقياً في دعم مؤسسات الدولة وبناء قدراتها، مع الحفاظ على القرار الوطني والسيادة السودانية.
ويؤكد الخبير الاستراتيجي أن العلاقة السودانية التركية يمكن أن تشكل رافداً مهماً في منظومة العلاقات الإقليمية والدولية للسودان، خاصة في ظل الأهمية الاستراتيجية المتزايدة لمنطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي، والتداخل الكبير بين الأمن السوداني والأمن الإقليمي.
ويختتم العميد الدكتور جمال الشهيد حديثه بالقول إن زيارة الفريق أول ركن ياسر العطا إلى أنقرة ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها زيارة عسكرية عابرة، وإنما باعتبارها فرصة لبناء مسار جديد للتعاون الدفاعي السوداني التركي، يقوم على نقل الخبرات والتكنولوجيا وتطوير القدرات وتوطين الصناعات الدفاعية.
ويضيف أن مرحلة ما بعد الحرب ستحتاج إلى إعادة بناء شاملة لمؤسسات الدولة، وفي مقدمتها المنظومة الأمنية والدفاعية، ولذلك فإن السودان بحاجة إلى شراكات استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة ونقل المعرفة وبناء القدرات، وليس مجرد الحصول على الأسلحة.
وختم محدّثي، أن قوة السودان في المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بما يمتلكه من أسلحة، وإنما بقدرته على بناء منظومة دفاعية وطنية حديثة، تمتلك المعرفة والتكنولوجيا والقدرة على حماية الدولة وحدودها وسيادتها ومصالحها الاستراتيجية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top