أعلن عنها وزير الثروة الحيوانية تصدير اللحوم للخليج.. نافذة تعافي اقتصادي

أعلن عنها وزير الثروة الحيوانية

تصدير اللحوم للخليج.. نافذة تعافي اقتصادي

تأهيل المسالخ في زمن الحرب .. إرادة وتحدّي

زيادة صادر اللحوم والجلود.. قيمة مضافة

خطة للوصول إلى الأسواق الأوروبية.. التزام المعايير العالمية

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو

أثار إعلان وزير الثروة الحيوانية والسمكية بروفيسور أحمد التيجاني المنصوري اعتزام السودان استئناف تصدير اللحوم إلى السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي اعتباراً من الأول من سبتمبر المقبل، أصداءًا واسعة في الأوساط الاقتصادية، باعتباره خطوة تتجاوز حدود استعادة سوق تصديرية توقفت بفعل الحرب، إلى محاولة لإعادة أحد أهم القطاعات الإنتاجية إلى دائرة الاقتصاد والنقد الأجنبي، وتأتي الخطوة في توقيت بالغ الحساسية بالنسبة للاقتصاد السوداني، الذي يبحث وسط تداعيات الحرب عن منافذ جديدة للصادرات، ومصادر إضافية للعملة الصعبة، في وقت ظل فيه الذهب يتقدم قائمة السلع المصدرة، لذلك ينظر إلى عودة اللحوم للأسواق الخليجية باعتبارها اختباراً لقدرة السودان على إعادة تشغيل قطاع يمتلك فيه ميزة نسبية كبيرة.
باب جديد
ويصف خبراء اقتصاديون استئناف صادرات اللحوم إلى السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي، بالمحاولة المهمة لاستعادة حضور السودان في سوقٍ لطالما شكَّلت منفذاً مهماً للمنتجات الحيوانية السودانية، حيث تملك السعودية، بحكم القرب الجغرافي والطلب الكبير على اللحوم، أهميةً خاصة في هذه المعادلة، فيما يمكن أن تمثل العودة إلى السوق الخليجية نقطة انطلاق لاستعادة أسواق أخرى، بيد أن عودة الصادرات لا تعني مجرد عبور شحنات من الموانئ السودانية إلى الأسواق الخارجية، ذلك أن المُنتَج الحيواني يمر بسلسلة طويلة تبدأ من المراعي ومناطق الإنتاج، مروراً بالأسواق ومراكز التجميع والمحاجر والمسالخ والتبريد والنقل، قبل أن يصل إلى المستهلك، ولهذا فإن نجاح الخطوة سيعتمد على قدرة الدولة والقطاع الخاص على إعادة تشغيل هذه السلسلة بكفاءة، وضمان سلامة المنتج وجودته وانتظام إمداداته.
مفارقة
لكن المفارقة اللافتة هي أن الثروة الحيوانية التي يُراد منها إنعاش الاقتصاد توجد نسبة كبيرة منها في مناطق كردفان ودارفور، وهي مناطق ما تزال تدفع كلفة الحرب، هنا تكمن واحدة من أعقد مفارقات المشهد، فلسان الواقع يقول إن السودان يمتلك ثروة حيوانية ضخمة، لكن مناطق واسعة من كردفان ودارفور، وهي من أهم مناطق الرعي والإنتاج، تأثرت بصورة مباشرة بالحرب التي لم تعطل الأسواق وحدها، وإنما أثَّرت على حركة الرعاة والقطيع، ورفعت تكاليف النقل، وأربكت مسارات التجارة، وأضعفت بعض البنى والخدمات المرتبطة بالإنتاج الحيواني، وبالتالي، فإن استئناف التصدير يضع الدولة أمام معادلة صعبة تتمثل في كيفية نقل الثروة الحيوانية من مناطق الإنتاج المتأثرة بالحرب إلى مراكز التصنيع والتصدير بأقل قدر من المخاطر والتكلفة؟ ليتحول تأمين الطرق إلى شرط اقتصادي مباشر لاستعادة الصادرات.
خريطة جديدة
وكان وزير الثروة الحيوانية بروفيسور أحمد المنصوري، قد كشف في وقت سابق عن توجه استراتيجي لإنشاء مدينة متكاملة للإنتاج والتصنيع الحيواني بولاية نهر النيل، وتحديداً في المنطقة الحرة، وذلك بهدف جذب المستثمرين، ويتجاوز المشروع فكرة تجميع الماشية وتصديرها، إذ يضم مزارع للأبقار والضأن والماعز والإبل، إلى جانب مصانع لتجهيز اللحوم وتعبئتها وفق المعايير العالمية، بما يسمح بالحصول على شهادات جودة دولية وفتح الطريق أمام المنتجات السودانية إلى الأسواق العربية والأوروبية، وهو أمر اعتبره مختصون بالنقلة المهمة في قطاع الثروة الحيوانية بالكامل، باعتبار أن السودان لا يريد، وفق هذه الرؤية، أن يكون مجرد بلد يمتلك ملايين الرؤوس من الماشية، وإنما يسعى إلى بناء اقتصاد حيواني يبدأ من الإنتاج وينتهي بالصناعة والتصدير.
قيمة مضافة
وتكمن أهمية مدينة الإنتاج والتصنيع المقترحة، بأنها لا تقف عند اللحوم، إذ إن الخطة تشمل مصانع للألبان، ومصانع للجلود ومشتقاتها من الأحذية والحقائب والأحزمة والملابس، فضلاً عن إدخال مخلفات الثروة الحيوانية مثل القرون والمصارين في دائرة التصنيع، وهذا يعني أن الحيوان الواحد يمكن أن يتحول من مجرد سلعة تصديرية إلى سلسلة من المنتجات والصناعات، إنها معادلة القيمة المضافة التي يحتاج إليها الاقتصاد السوداني بشدة، باعتبار أنه كلما توسعت الصناعة المرتبطة بالثروة الحيوانية، زادت فرص خلق الوظائف، وتوسعت قاعدة الإيرادات، وارتفع العائد من كل وحدة إنتاج، بدلاً من خروج الثروة في صورتها الخام، وبذلك تصبح المعركة الحقيقية ليست فقط في كمية اللحوم التي يصدرها السودان، وإنما في مقدار القيمة الاقتصادية التي يستطيع الاحتفاظ بها داخل البلاد.
بوابة السودان للخليج
ويجمع خبراء اقتصاديون على أن استهداف السعودية ودول مجلس التعاون الخليجي في المرحلة الأولى يحمل دلالة عملية، فالأسواق الخليجية قريبة من السودان، والعلاقات التجارية بين الجانبين قديمة، كما أن قرب المسافة يخفف نسبياً من أعباء النقل مقارنة بالأسواق البعيدة، بيد أن الرؤية التي طرحها الوزير تذهب أبعد من الخليج، حين تتحدث عن الوصول إلى الأسواق الأوروبية عبر الالتزام بالمعايير العالمية والحصول على شهادات الجودة، وهنا يمكن أن تتحول السوق السعودية من مجرد وجهة للصادرات إلى بوابة لإعادة بناء الثقة في المنتج الحيواني السوداني، تمهيداً للتوسع في أسواق أخرى، فالأسواق العالمية لا تشتري فقط المنتج المتوفر، وإنما المنتج الذي يطابق المواصفات، ويحافظ على الجودة، ويصل بصورة منتظمة.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فما بين استعادة أسواق اللحوم الخليجية والمضي نحو إنشاء مدينة متكاملة للإنتاج والتصنيع الحيواني، تبدو الثروة الحيوانية أمام فرصة للانتقال من قطاع تقليدي إلى رافعة اقتصادية وصناعية متكاملة، فإذا نجحت الدولة في ربط مناطق الإنتاج بالتصنيع، وتوفير بيئة آمنة وجاذبة للاستثمار، ورفع جودة المنتج، فقد تصبح اللحوم والمنتجات الحيوانية أحد أهم روافد النقد الأجنبي إلى جانب الذهب، ما يفتح للسودان أبواباً أوسع في الأسواق العربية والأوروبية، وربما يكون مستقبل الثروة الحيوانية السودانية هو أن تتحول من ثروة ترعى في المراعي إلى مواد تُصنع في السودان وتُنافس في الأسواق العالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top