تصريحات إثيوبية تفاقم التوتّر مع السودان
سدود جديدة وتهديد.. تصعيد نظام أبي أحمد
التحكُم في المياه.. صراع استراتيجي مع دول المصب
الخرطوم تتهم أديس أبابا بدعم المليشيا ..معسكرات تدريب وأسلحة
منصة مسيّرات ومشاركة مرتزقة إثيوبيين ..تورّط وعداء مستمر
هجوم الكرمك وقيسان.. مخاوف المواجهة إقليمية
تقرير – رحمة عبدالمنعم
دخلت العلاقات السودانية الإثيوبية مرحلة جديدة من التوتّر، في أعقاب تصريحات لوزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا بشأن اعتزام بلاده المضي في إنشاء سدود إضافية على النيل الأزرق، وتأكيده أن أديس أبابا ترى أن من حقها استغلال مواردها المائية بما يخدم مصالحها، في تصريحات أثارت مخاوف متزايدة في السودان ومصر بشأن مستقبل إدارة مياه النيل وطبيعة السياسة الإثيوبية تجاه دولتي المصب.
صراع المياه
وتكتسب تصريحات وزير المياه والطاقة الإثيوبي هابتامو إيتيفا بشأن اعتزام بلاده المضي في إنشاء سدود إضافية على النيل الأزرق،حساسية خاصة لكونها تأتي بعد اكتمال وتشغيل سد النهضة، وفي ظل استمرار الخلاف بشأن قواعد تشغيله وتبادل المعلومات والبيانات المائية، فضلاً عن حديث أديس أبابا عن إمكانية إنشاء ثلاثة سدود جديدة على النيل الأزرق، بما يفتح الباب أمام مرحلة أكثر تعقيداً في ملف المياه.
وفي السودان، لا تُقرأ هذه التصريحات باعتبارها خلافاً فنياً حول إدارة الموارد المائية فحسب، وإنما ضمن سياق سياسي وأمني أوسع تشهد فيه العلاقات بين الخرطوم وأديس أبابا توتراً متصاعداً، خصوصاً مع تقديم اثيوبيا اشكال مختلفة من الدعم لمليشيا الدعم السريع والحركة الشعبية – شمال، وهي اتهامات من شأنها، حال استمرارها، أن تدفع العلاقات بين البلدين إلى مستوى غير مسبوق من المواجهة.
مخاوف
ويثير الحديث الإثيوبي عن السيطرة على تدفقات المياه وبناء سدود إضافية مخاوف مباشرة لدى السودان، الذي يقع جغرافياً في مواجهة المنشآت المائية الإثيوبية، ويعتمد تشغيل عدد من سدوده، وعلى رأسها سد الروصيرص، بصورة كبيرة على معرفة حجم وتوقيت المياه الواردة من الهضبة الإثيوبية.
ويرى مراقبون أن غياب التنسيق وتبادل المعلومات بشأن تشغيل سد النهضة أو أي منشآت مائية جديدة قد يضع السودان أمام تحديات فنية وأمنية جسيمة، خصوصاً في فترات الجفاف والفيضانات، ويحوّل الخلاف من قضية تفاوضية بشأن سد واحد إلى صراع أوسع حول إدارة مياه النيل الأزرق.
ويزداد القلق السوداني مع النظر إلى تصريحات الوزير الإثيوبي باعتبارها رسالة سياسية تتجاوز البعد التنموي، ولا سيما مع الإشارة إلى أن السيطرة على تدفق المياه يمكن أن تصبح إحدى أدوات النفوذ الإقليمي التي تسعى أديس أبابا إلى توظيفها لتعزيز حضورها السياسي في منطقة القرن الأفريقي وحوض النيل.
دعم المليشيا
ويتقاطع ملف المياه مع ملف أمني شديد الحساسية، إذ تتهم دوائر سودانية إثيوبيا بالسماح باستخدام أراضيها في أنشطة مرتبطة بمليشيا الدعم السريع التي تقاتل الجيش السوداني، بما في ذلك فتح معسكرات للتدريب وتقديم دعم لوجستي ونقل أسلحة وعتاد عبر مناطق حدودية.
وتشير الاتهامات السودانية كذلك إلى استخدام الأراضي الإثيوبية كنقاط انطلاق أو إسناد لعمليات مرتبطة بمناطق الكرمك وقيسان وإقليم النيل الأزرق، وهي مناطق تتمتع بحساسية عسكرية خاصة نظراً لتداخلها الجغرافي وقربها من الحدود الإثيوبية.
كما تتحدث مصادر سودانية عن رصد تحركات لطائرات مسيرة مرتبطة بالعمليات العسكرية داخل السودان انطلاقاً من مناطق قريبة من الحدود، فضلاً عن مشاركة مقاتلين ومرتزقة إثيوبيين إلى جانب قوات الدعم السريع في بعض جبهات القتال.
ولا يمكن فصل هذه الاتهامات، من وجهة النظر السودانية، عن الصورة الأشمل للعلاقات مع أديس أبابا، إذ ترى الخرطوم أن أي دعم عسكري أو لوجستي لجماعات مسلحة تقاتل داخل السودان يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع ضغوط سياسية مرتبطة بملف المياه.
ورقة ضغط
وتطرح التطورات الأخيرة تساؤلات بشأن ما إذا كانت إثيوبيا تتجه إلى استخدام موقعها كدولة منبع رئيسية للنيل الأزرق لتعزيز نفوذها السياسي، خاصة وأن إنشاء المزيد من السدود من دون اتفاقات واضحة بشأن التشغيل وتبادل البيانات قد يمنح أديس أبابا قدرة أكبر على التأثير في توقيت وكميات المياه المتدفقة نحو السودان ومصر.
وبالنسبة للسودان، تبدو المسألة أكثر إلحاحاً بسبب قرب سدوده ومنشآته المائية من الحدود الإثيوبية، الأمر الذي يجعل أي تغييرات مفاجئة في معدلات التصريف ذات تأثير مباشر على منظومة الري وتوليد الكهرباء وإدارة السدود.
ومن هنا، فإن تصريحات الوزير الإثيوبي لا تُفهم في الخرطوم بمعزل عن المناخ الإقليمي المضطرب، ولا عن الاتهامات المتزايدة لأديس أبابا بالتدخل في الأزمة السودانية، الأمر الذي يضاعف الشكوك بشأن الدوافع السياسية وراء التصعيد في ملف المياه.
حدود ملتهبة
وتزداد خطورة المشهد مع النشاط العسكري في مناطق النيل الأزرق القريبة من الحدود الإثيوبية، حيث تمثل الكرمك وقيسان نقاط تماس شديدة الحساسية، ويمكن لأي تصعيد فيها أن ينقل التوتر بين البلدين من مستوى الاتهامات السياسية إلى مواجهة أمنية مباشرة.
ويخشى مراقبون من أن يؤدي تداخل ملفي المياه والأمن إلى خلق أزمة مركبة يصعب احتواؤها، خاصة إذا استمرت الاتهامات السودانية المتعلقة بالمعسكرات ونقل السلاح والعتاد ومشاركة مقاتلين أجانب، بالتزامن مع مضي إثيوبيا في سياساتها المائية بصورة أحادية.
وتأتي هذه التطورات أيضاً في بيئة إقليمية مضطربة تتداخل فيها خلافات إثيوبيا مع عدد من دول الجوار، ما يجعل أي احتكاك جديد مع السودان عاملاً إضافياً في تعقيد المشهد الأمني في القرن الأفريقي.
خيارات صعبة
وأمام هذه المعطيات، يجد السودان نفسه أمام ملفين متداخلين: الأول يتعلق بالأمن القومي والحدود والحرب الداخلية، والثاني يتعلق بأمن المياه ومستقبل النيل الأزرق.
ولا تقتصر المخاوف السودانية على تأثير السدود الجديدة المحتملة على حصته المائية، وإنما تمتد إلى قدرة إثيوبيا على تغيير أنماط التدفق بصورة تؤثر على تشغيل السدود السودانية، فضلاً عن مخاوف من تحويل المياه إلى ورقة سياسية في أوقات الأزمات.
وفي المقابل، يبقى المسار الدبلوماسي والتنسيق الفني بين دول الحوض الوسيلة الأكثر قدرة على تجنب سيناريوهات التصعيد، عبر الاتفاق على قواعد واضحة وملزمة لتبادل البيانات والتشغيل والتعامل مع سنوات الجفاف والفيضانات.
غير أن استمرار التوتر الأمني وتدخل اديس ابابا في الحرب السودانية قد يجعل الوصول إلى مثل هذا التفاهم أكثر صعوبة، ويدفع ملف النيل الأزرق من دائرة الخلاف الفني إلى قلب الصراع السياسي والأمني بين البلدين.
وبذلك، لا تبدو تصريحات المسؤول الإثيوبي بشأن السدود الجديدة مجرد إعلان عن مشروعات تنموية مستقبلية، بل تأتي في لحظة شديدة الحساسية، تجعل كل خطوة إثيوبية في ملف المياه تُقرأ في الخرطوم في ضوء علاقة مضطربة، وحدود قلقة، وحرب مفتوحة، واتهامات متبادلة قد تعيد رسم طبيعة العلاقة بين السودان وإثيوبيا لسنوات مقبلة.






