د.عبد اللطيف البوني يكتب : اسمها هيئة البحوث الزراعية

حاطب ليل

د.عبد اللطيف البوني

اسمها هيئة البحوث الزراعية

(1)
بمجرّد احتلالهم للسودان وقبل ان (يتوهّطوا) في أرضه جيداً ..وللاستفادة من موارده.. لزوم إدارته أولاً وللاسثمار فيه ثانياً… أنشأ الانجليز هيئة البحوث الزراعية بود مدني ….قبل كلية غردون التذكارية وقبل ميناء بورتسودان وقبل مطار الخرطوم وقبل السكة حديد وبالطبع قبل مشروع الجزيرة الذي كان أول مسح له في ١٩٠٩م ….
كان الخواجة يدرك أن كلمة السر في حاضر ومستقبل السودان هي الزراعة …ويدرك أكثر إن التحول من الزراعة التقليدية إلى الزراعة الحديثة يبدأ بالبحث العلمي ….لذلك أنشأ هيئة البحوث الزراعية في ودمدني عام ١٩٠٣م…قبل أن يزرع بصلة في السودان… …وهكذا تكون النهضة علمية وليست عشوائية …
بالطبع كان أول علمائها من الخواجات …ثم تسودنت مثل بقية المؤسسات.. ثم تطورت ليكون السودان مرجعاً في إنتاج الكثير من المحاصيل والحبوب ..وليصدر ذات عام تقاوي قمح لنيجيريا علماً بأن القمح حسب علمنا من محاصيل المناطق الباردة ..ثم ليصل علماؤها إلى كل أنحاء العالم …ولعل آخرهم الذين شردتهم الحرب الجارية الآن فوصلوا يوغندا …إذ صدر كتاب (نعمة الغريب ) لعالم يوغندي ..خص فيه الباحثين الزراعيين السودانيين ..موضحاً الطفرة التي أحدثوها في هذه الفترة الوجيزة ..مركزاً على البروفسور عبدالله حسن محمد التوم وكيف أفاد بعلمه وعلاقاته الدولية في يوغندا.
(2)
ظلت هيئة البحوث الزراعية تقدم خدماتها العظيمة في مجال الزراعة في صمت… تاركة منجزاتها تتكلم عنها في شكل انتاج بذور الأساس… التي تناولتها منها جهات وشركات الإكثار… وفي شكل استنباط العينات الجديدة من القطن والذرة الرفيعة والسمسم والدخن… وفي الفواكه والخضروات ووصلت مرحلة الأنسجة …..كما أن الهيئة هي التي تحمي السودان من إفرازات الهندسة الوراثية في مجال الزراعة .. والأهم من ذلك هي الحامية لأصول المحاصيل الزراعية في السودان.. بمعنى أنها دار الوثائق للنسخة الأصلية من كل محصول…وأي نقلة لها إلى جهة أخرى من العالم يجب أن يتم بعد دفع اتاوة للسودان ..لكن من يسجل لنا عند الملكية الفكرية ؟… …الأدوار التي كانت ومازالت تقوم بها هذه الهيئة عصية على الحصر كما أنها ليست سبباً في توقفنا عندها اليوم… وما ذكرناه فرضه السياق لربط الكلام .
(3)
الحرب العدوانية التي شنت على السودان في ١٥ أبريل ٢٠٢٦ اتضح لنا الآن.. أنها أكبر من صراع على السلطة …إذ أن هدفها تدمير هذا البلد ثم تمزيقه ..لذلك كان تركيزها على نقاط القوة والمنعة فيه …فكان لهيئة البحوث الزراعية الحظ الأوفر من ذلك الخراب …فخربت معاملها ومختبراتها .. وحرقت حقول تجاربها… ودُمّرت مبانيها …وشرد علماؤها في كل المناطق التي طالتها يد العدوان …ولعل أهمها الرئاسة في مدني ومراكز سوبا وشمبات وفروع أخرى ..
الطبيعي بعد طرد المعتدي من قلب البلاد أن يُلتفت وبأعجل ما تسير للبحوث الزراعية… وذلك ببساطة لأن هناك إجماع إن معافاة السودان يجب أن تبدأ بالقطاع الزراعي…. لأن الزراعة هي القاطرة لكل القطاعات الاقتصادية الأخرى من صناعية وخدمية ونقل …ولكي تستعيد الهيئة دورها هذا يبدأ بالعامل البشري الذي سوف يعيد المعاني والمباني إلى وضعها السابق …ولكن للأسف حدث العكس تماماً…. عند تحسين رواتب أساتذة الجامعات ذلك التحسين الذي أصبح (بندق في بحر ) حُرم منه الباحثين في الهيئة …فوزارة المالية في تاريخها كانت تتعامل مع الباحثين الزراعيين في الهيئة وأساتذة الجامعة كتؤام سيامي… فهاهي تحرمهم من (حبة الفول) التي جادت بها على الأساتذة ..فالبروفسير في الجامعة راتبه اليوم مليون جنيه …بينما بروفسير الهيئة مازال في ٣٥٠ الف وهي =جوال ذرة وداحمد+كيلتين…مع أنها كلها ما عاملة حاجة لا المليون ولا ود أحمد لكن صناعة الغبن دي لزومها شنو ؟؟؟ فكيف سوف يعمل هؤلاء العلماء الباحثين ناهيك عن عودة الذين هاجروا …
(4)
لما ينتظر السودان من بدايات جديدة ..ولن نقول إعادة اعمار …إن هيئة البحوث الزراعية يجب أن تؤهل.. ويجب أن تميز.. ويجب أن تكون مستقلة… ويجب أن تكون سيادية بمعنى أن تكون لها الولاية على كل ما ينبت في السودان من زرع… بما فيه الزرع الذي يغذي الضرع…. ويجب أن يكون لها جُعل..بضم الجيم … في أية بذرة تبذرها في مجال عملها باتفاق مع الزراع ومع شركات الإكثار ..وعلينا أن نتذكر أن الهيئة لم تُحارب من المعتدي بتاع منتصف أبريل فقط، ولا من الدولة برواتبها البائسة فقط.. إنما الحرب الكبرى عليها من الشركات التجارية المشتغلة بالشأن الزراعي ممثلة في وكلائها الإقليميين والمحليين…و التي تريد أن تغزو السودان بتقاويها ومخصّباتها ومبيداتها الحميدة والخبيثة وضع خطين تحت الأخيرة هذه ..أخشى ما أخشاه أن تقول وزارة المالية لناس الهيئة ادخلوا السوق واستثمروا …ما تقولوا لي ليه؟ ..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top