ولدت من رحم الحرب لإعانة السودانيين في أسوان
«الأشقاء».. تضامن وادي النيل
مبادرة مصرية – سودانية تقدم خدمات إنسانية للجالية.. تكافل
أطباء مصريون وسودانيون نهضوا بالاحتياجات الصحية.. تضامن
رحلات عودة طوعية وقوافل طبية وعلاجية.. دعم ومؤازرة
إشادة برعاية ودعم قنصل السودان بأسوان للمبادرة
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
تواصل مبادرة «الأشقاء» الطوعية المصرية – السودانية في أسوان تقديم حزمة من الخدمات الإنسانية والصحية والتعليمية والاجتماعية، إلى جانب برامج العودة الطوعية والتدريب، بالتعاون مع القنصلية السودانية والجمعيات الأهلية والمؤسسات المصرية والمنظمات الدولية، وانطلقت المبادرة في الأيام الأولى للحرب، قبل أن تتوسع استجابتها مع تزايد أعداد السودانيين القادمين إلى أسوان وامتداد احتياجاتهم من الإعاشة والإسكان إلى العلاج والتعليم والدعم اللوجيستي والحالات الطارئة.
الحرب تجمع الشقيقين
ويجمع مراقبون على أن الحرب فرضت واقعاً جديداً على ملايين السودانيين، ودفع الكثير منهم إلى مغادرة مناطقهم والبحث عن الأمان في مصر، التي استقبلت أعداداً كبيرة منهم في مختلف المحافظات، وسط جهود رسمية ومجتمعية وأهلية لمساعدتهم على تجاوز ظروف اللجوء والاستقرار، وفي محافظات الصعيد، وأسوان على وجه الخصوص، اكتسب هذا التفاعل بعداً إنسانياً واجتماعياً لافتاً، مستنداً إلى الروابط التاريخية والعلاقات الأسرية والاجتماعية التي تجمع سكان المنطقة بأهل السودان، فضلاً عن الجوار الجغرافي وامتداد العادات والتقاليد والمصالح بين الشعبين، وقد وجد المصريون في مساعدة السودانيين القادمين واجباً تجاه أشقاءٍ تجمعهم بهم روابط تتجاوز حدود البلدين، ومع تزايد أعداد الوافدين وتنوع احتياجاتهم، كانت الحاجة ملحةً إلى تنظيم جهود المساندة وتحويلها من مبادرات متفرقة إلى عمل جماعي أكثر تنسيقاً، ليتم الإعلان عن مبادرة «الأشقاء»، لتكون إحدى الصور العملية للتضامن المصري – السوداني، وتنقل المساندة من الاستجابة العاجلة إلى منظومة منظمة لخدمة الأسر السودانية.
في رحم الحرب
ويقول دكتور عبد العظيم عوض، رئيس مبادرة «الأشقاء»، إن المبادرة أنشئت في 18 أبريل 2023م، أي في اليوم الثالث لاندلاع الحرب، بهدف مساندة الأسر السودانية التي بدأت تتوافد إلى أسوان، التي تحولت آنذاك إلى محطة رئيسية للكثير من القادمين إلى مصر، ويشير دكتور عبد العظيم في إفادته للكرامة إلى أن المبادرة كانت من بنات أفكار السفير عبدالقادر عبدالله، قنصل عام السودان بأسوان ومحافظات جنوب الصعيد، وشاركت فيها الكيانات والجمعيات الأهلية الأسوانية المهتمة بالعمل الإنساني، إلى جانب أبناء الجالية السودانية، مبيناً أن القنصلية السودانية بأسوان وأجهزتها المختصة قدمت دعماً وإسناداً مهماً للمبادرة منذ انطلاقتها، وساعدت في تنسيق الجهود وربطها بالجهات والمؤسسات المصرية، بما أسهم في الوصول إلى الأسر وتحديد احتياجاتها والاستجابة لها، ويثمن دكتور عبد العظيم بصورة خاصة دور السفير عبدالقادر عبدالله في دعم المبادرة وتذليل العقبات أمام عملها، مؤكداً أن وجود القنصلية كطرف مساند ومنسق ساعد في تحويل الجهود التطوعية إلى عمل أكثر تنظيماً واتساعاً، منوهاً إلى استفادة المبادرة من تعاون الجمعيات الأهلية والمؤسسات المحلية في أسوان، إلى جانب عدد من المنظمات الدولية، الأمر الذي أتاح توسيع نطاق الخدمات المقدمة للجالية.
أول خطوط الاستجابة
وتقول دكتورة سعاد السيد عبد الرحيم، الأمين العام للمبادرة والمعنية بالقطاع الطبي والعلاجي، إن الجانب الصحي كان من أول القطاعات التي واجهت احتياجات متزايدة مع تدفق السودانيين إلى أسوان، وتوضح دكتورة سعاد في إفادتها للكرامة أن كثيراً من السودانيين القادمين كانوا يعانون من أمراض مزمنة، إلى جانب الأورام وأمراض الشيخوخة، ما تطلب تنسيقاً مع المستشفيات لاستقبال المرضى وتوفير الرعاية اللازمة، ومع تزايد أعداد الأسر السودانية، ارتفعت أيضاً حالات الإصابات الناتجة عن الحوادث المرورية، الأمر الذي دفع المبادرة إلى توسيع فريقها الطبي، الذي ضم أطباء سودانيين ممن لجأوا إلى مصر، وأطباء امتياز، إلى جانب الأطباء والكوادر الطبية الأسوانية، وتؤكد سعاد أن تلاحم الكوادر الطبية المصرية والسودانية أسهم في توفير استجابة أفضل للحالات، خصوصاً المرضى الذين كانوا يحتاجون إلى متابعة مستمرة ورعاية تتجاوز التدخل العلاجي المباشر.
رحلة إصابة وعودة
ومن الحالات التي تابعتها المبادرة مواطن سوداني كان مستنفراً خلال الحرب، وأصيب بطلق ناري في منطقة الحوض أدى إلى إصابته بشلل نصفي، وأدخل إلى مستشفى أسوان الجامعي – قسم الباطنة، وتقول دكتورة سعاد إن المبادرة تابعت حالته منذ وجوده بالمستشفى، ونسقت مع إدارة المستشفى والكادر الطبي لتوفير الرعاية والاحتياجات الأساسية، كما عملت على التواصل مع أسرته في السودان، مشيرةً إلى أن الحالة كانت تحتاج إلى متابعة صحية وإنسانية، خصوصاً مع غياب المرافقين في بداية رحلة العلاج، مؤكدة أن الاهتمام بالمواطن السوداني لم يقتصر على الجانب الطبي، وإنما شمل احتياجاته الإنسانية والاجتماعية، وأضافت دكتورة سعاد: “بعد استقرار حالة المريض، ساعدت المبادرة في استخراج وثيقة سفر اضطرارية، ووفرت سيارة إسعاف مجهزة لنقله إلى السودان، ليواصل العلاج وسط أسرته”.
أغنيات على سرير المرض
وكان الشاب محمد عمر، عضو مبادرة «أشقاء» لمساندة الأسر السودانية المتأثرة بالحرب، من المتابعين لحالة المواطن المصاب داخل مستشفى أسوان الجامعي، ويقول محمد عمر في إفادته للكرامة إن المريض وجد معاملة راقية من الكادر الطبي المصري، لافتاً إلى أن الأطباء والممرضين تعاملوا معه باهتمام كبير، ولم تقتصر رعايتهم على الجانب الطبي، ويضيف أن أفراداً من الكادر كانوا يقومون أحياناً بتشغيل الأغنيات السودانية من هاتف المريض، في محاولة للتخفيف عنه وإدخال شيء من الألفة إلى فترة علاجه، وتحمل هذه التفاصيل البسيطة دلالة إنسانية واضحة؛ فاختيار الأغنية السودانية للتخفيف عن مريض بعيد عن وطنه يعكس محاولة للاقتراب منه عبر لغته وذاكرته وبيئته، ومنحه شعوراً بالألفة في لحظة صعبة.
“٤٨” رحلة للعودة
وامتدت جهود مبادرة «أشقاء» لمساندة الأسر السودانية المتأثرة بالحرب، إلى برامج العودة الطوعية للسودانيين الراغبين في العودة إلى وطنهم، ويشير دكتور عبد العظيم عوض رئيس المبادرة إلى تنفيذ 48 رحلة للعودة الطوعية بالتعاون مع منظومة الصناعات الدفاعية، قبل الانتقال إلى برنامج «رحلة الأمل» لتفويج العائدين من محطة السد العالي، إلى جانب تنظيم السفريات من داخل أسوان.
المدارس
وامتد نشاط «الأشقاء» إلى المدارس السودانية المعتمدة في أسوان، وتقول دكتورة سعاد السيد عبد الرحيم، الأمين العام للمبادرة إن المبادرة نظمت دورات تدريبية وأياماً علاجية مجانية، كما شكلت حضوراً خلال امتحانات الشهادة الثانوية والمتوسطة والابتدائية لرعاية الطلاب والمعلمين والعاملين في مراكز الامتحانات، منوهةً إلى إن المبادرة نفذت قوافل طبية متعددة للجالية السودانية في أسوان ومحافظات جنوب الصعيد، بالتعاون مع الجمعيات الأهلية والمؤسسات المصرية والمنظمات الدولية، وتوضح دكتورة سعاد أن من بين الشركاء في هذه الجهود منظمة الصحة العالمية، ومنظمة إنقاذ الطفولة، ومؤسسة «بدران»، ومؤسسة «مصر بلا مرض»، إلى جانب اللجنة الطبية التابعة للمبادرة.
من الإغاثة إلى التمكين
ومع استقرار أعداد كبيرة من السودانيين في مصر، اتجهت المبادرة إلى توسيع مفهوم الدعم، بحيث لا يقتصر على المساعدات العاجلة، ويقول دكتور عبد العظيم إن مبادرة «الأشقاء» تعمل على دعم التدريب والتأهيل، خاصة للنساء والشباب، إلى جانب البرامج التعليمية والصحية والأنشطة المجتمعية التي تساعد الأسر على التعامل مع ظروفها الجديدة، منوهاً إلى أن المبادرة تنظم أنشطة ثقافية ورياضية تعزز التواصل بين الجالية السودانية والمجتمع المحلي، وتدعم بناء علاقة أكثر استقراراً بين الطرفين.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. فإن النيل في أسوان، لا يبدو فاصلاً بين ضفتين، بقدر ما يبدو خيطاً يصل شعبين شقيقين، وجاءت مبادرة «الأشقاء» لتمنح معاني التكافل المصري –السوداني صورة عملية تتجاوز الكلمات والشعارات، وتفتح من خلال حزمة متكاملة من الخدمات الإنسانية والصحية والتعليمية والاجتماعية، أبوابها أمام الأسر السودانية المقيمة بالمحافظة، واضعةً هدفاً يتجاوز الإغاثة المؤقتة إلى خدمة أكثر استدامة للأسر السودانية، وتحويل التضامن بين الشعبين إلى عمل يلمسه الناس في حياتهم اليومية.






