جبهة قتالية جديدة وهجمات من مجموعة الحلو
كاودا.. صراع دموي
مئات القتلى وعشرات الألاف من النازحين..أزمة إنسانية
الهجمات تفتح ملف الانقسامات داخل الحركة.. صراع نفوذ
عمار ناصر يكشف عن خلافات داخلية أوشكت على الانفجار
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
عادت أصوات البنادق لتفتح جبهة جديدة من المعاناة في منطقة كاودا التي كانت تحاول التقاط أنفاسها تحت وطأة الحرب، وتتحدث تقارير ميدانية عن سقوط مئات القتلى ونزوح عشرات الآلاف من المدنيين، ولا سيما من أبناء قبيلة الأطورو، وسط تبادل للاتهامات بين الأطراف المتقاتلة بشأن مسؤولية التصعيد، يأتي ذلك في وقت كشفت فيه مصادر من داخل الحركة الشعبية عن خلافات وتنافسات مكتومة داخل صفوفها، بما يضع الحركة أمام اختبار مزدوج ما بين السيطرة على الميدان، أو المحافظة على تماسك البيت الداخلي.
القلق يحاصر كاودا
وتتحدث إفادات متطابقة عن أوضاع إنسانية شديدة القسوة في مناطق جنوب وغرب كاودا، عقب هجمات نسبت إلى قوات الحركة الشعبية – شمال، جناح عبد العزيز الحلو، على مناطق ديبي ولويري، وسط تقارير عن سقوط قتلى وجرحى ونزوح أعداد كبيرة من السكان، وأعلنت شبكة أطباء السودان مقتل أكثر من 21 شخصاً، بينهم نساء وأطفال، وإصابة آخرين جراء الهجمات، فيما نقلت مصادر إعلامية أرقاماً أكبر بكثير، إذ تحدثت عن مقتل 453 شخصاً ونزوح نحو 53 ألفاً واعتقال 710 أشخاص، بينهم 45 من العاملين في المجال الإنساني، منذ تصاعد أعمال العنف في منطقة كاودا في مارس الماضي ٢٠٢٦م، وتشير تلك المصادر إلى حرق 97 قرية وفرض تهجير قسري، الأمر الذي دفع عشرات الآلاف إلى الفرار نحو خمسة معسكرات للنازحين، هي كجور الشعبية، وكجاما الكبرى، ودلير، ولجولو، وكمبرا الكبرى، وبين اختلاف الأرقام وتعدد الروايات، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن المدنيين هم الحلقة الأضعف في هذه المعادلة خاصةً الأطفال حديثي الولادة، والأمهات، وكبار سن وذوي الاحتياجات الخاصة، حيث وجد هؤلاء أنفسهم أمام رحلة نزوح جديدة في ظروف بالغة الصعوبة.
خرق إطلاق النار
وصفت شبكة أطباء السودان الهجمات بأنها خرق لوقف إطلاق النار واستهداف للمدنيين على أساس إثني، مطالبة المجتمع الدولي والمنظمات الإقليمية والدولية بالضغط على الحركة الشعبية – شمال لوقف الانتهاكات والالتزام باتفاق وقف إطلاق النار، وتكمن خطورة هذه الاتهامات من كونها لا تتحدث عن مواجهة عسكرية بين قوتين فحسب، وإنما عن تداعيات تمس النسيج الاجتماعي للمنطقة، في وقت تهدد فيه الأمطار وصعوبة الوصول الإنساني بتحويل موجات النزوح إلى أزمة أكبر، ذلك أن ال٥٣ ألف نازح الذين تتحدث عنهم المصادر ليسوا مجرد رقم في بيان، بل هم عائلات تركت منازلها، ومجتمعات اقتُلعت من بيئتها، وأطفال وجدوا أنفسهم في مخيمات بدلاً من المدارس والبيوت.
سيطرة الأطورو
ويروي عضو مجلس التحرير القومي السابق بالحركة الشعبية – شمال بإقليم جبال النوبة، الأستاذ عمار ناصر نميري، عن خلافات بين عدد من قيادات الحركة، ويقول نميري في إفادته للكرام إن ثوار الأطورو يفرضون سيطرة واسعة على مداخل ومخارج كاودا ومناطق وطرق إمداد محيطة بها، مشيراً إلى أن هجوماً وقع قبل أيام على كاودا وديبي، وأن قوات الأطورو تمكنوا من صده والاستيلاء على عربة قتالية خلال المعارك.
صراع المناصب
ويتحدث عمار ناصر نميري عن خلافات حادة بين قيادات بارزة، وعن وعود تتعلق بإعادة توزيع المناصب العسكرية والسياسية، معتبراً أن تلك الوعود كانت سبباً في احتدام التنافس داخل الحركة، وبحسب إفادته، فإن الصراع لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل وصل إلى مرحلة كادت تتحول معها الخلافات إلى مواجهة مسلحة بين مجموعات داخل الحركة، قبل أن تتدخل قيادات أخرى لاحتواء الموقف.
خلاف البندقية
وتكشف إفادة نميري عن واحدة من أكثر حلقات الخلاف الداخلي حساسية، إذ تشير إلى أن إبراهيم مولفا قاد قواته في هجوم على جقود مكوار، قبل أن يتدخل عبود أندراوس بمبادرة لرأب الصدع ونجح وفق الرواية، في نزع فتيل المواجهة التي لا ندري هل هي مجرد منافسة على المواقع؟ أم أنها تعكس تبايناً أعمق في الرؤى حول القيادة وإدارة الحرب ومستقبل الحركة؟ فالخلاف السياسي يمكن احتواؤه بالحوار، أما عندما تقترب الخلافات من البندقية، فإن المسألة تتحول من تنافس داخلي إلى تهديد مباشر لوحدة التنظيم وقدرته على إدارة المناطق الواقعة تحت سيطرته.
الاعتقالات
وفي الجانب الإنساني، تتحدث إفادة نميري عن اعتقالات واسعة، ولا سيما وسط أبناء الأطورو والعاملين في المنظمات الإنسانية، داعياً الأسرة الدولية والمنظمات إلى التحرك العاجل لإنقاذ من تعرضوا للاعتقال أو التصفية، ويرى مراقبون أن التضييق على العاملين في المجال الإنساني ينعكس مباشرة على قدرة المنظمات على الوصول إلى النازحين وتوفير الغذاء والدواء والمأوى.
خاتمة مهمة
على كلٍّ.. فإن ما يجري في كاودا يبدو في صورته الأوسع، يتجاوز الحديث عن جولة جديدة من القتال، ذلك أن هناك جبهة عسكرية مفتوحة، وأزمة إنسانية تتسع، ونزوح يتزايد، واتهامات بانتهاكات ذات طابع إثني، وفي المقابل يتصاعد الحديث عن خلافات داخل الحركة وتنافس بين قياداتها، وهي أوضاع يدفع فيها المدنيون الثمن الأكبر، وأن استمرار القتال لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة.






