في العمـق أزمة السودانيين في جنوب السودان، بين الحقائق والمسؤوليات المشتركة.. عادل فارس مياط

في العمـق

أزمة السودانيين في جنوب السودان، بين الحقائق والمسؤوليات المشتركة..

عادل فارس مياط

مع تصاعد التوترات الأخيرة التي شهدتها بعض المدن في جنوب السودان، إثر استهداف السودانيين بأعمال نهب واعتداء، ظهرت أصوات متعددة تلقي باللوم على حكومة جوبا، بينما يغفل كثيرون السياق الحقيقي الذي تجري فيه الأحداث. هذا المقال محاولة لتوضيح الحقائق وتبيان المسؤوليات بعيدًا عن التعميم والأحكام المسبقة.

الحوادث التي شهدتها جنوب السودان مؤخرًا، وإن كانت مؤلمة ومدانة، لا تعكس توجيهًا حكوميًا أو خطة منظمة. بل هي نتاج تصرفات فردية من عصابات وجماعات متفلتة استغلت حالة الغضب الشعبي الناجمة عن الأحداث في ود مدني بالسودان، لإشعال فتيل الفوضى وتحقيق مكاسب آنية. الحكومة في جنوب السودان أدركت خطورة الموقف منذ البداية، وسارعت لاتخاذ خطوات جادة، منها إلغاء دعوات التظاهر أمام السفارة السودانية، التي أطلقها بعض النشطاء للتعبير عن غضبهم، خوفًا من تحولها إلى أعمال فوضى أو اعتداءات.

ما يجدر ذكره أن الفوضى ليست مسؤولية جوبا وحدها، بل نتاج ظروف معقدة تراكمت عبر السنين. مشاركة بعض الجنوبيين في صفوف الدعم السريع بالسودان، على سبيل المثال، ليست نتيجة لسياسات حكومية، بل هي اختيارات فردية تعود لعدد من العوامل. كثير من هؤلاء كانوا بقايا ميليشيات دعمتها الخرطوم سابقًا لزعزعة استقرار جنوب السودان، وعادوا الآن للقتال بجانب الدعم السريع ضد الجيش السوداني. هذا السلوك لا يمثل حكومة جنوب السودان بأي شكل، بل هو امتداد لصراعات قديمة تحتاج إلى معالجات حاسمة عبر العدالة والمساءلة.

هناك أيضًا من وجد نفسه مجبرًا على الانخراط مع قوات الدعم السريع بعد وقوعه في مناطق سيطرتها، وهو أمر يمكن تفهمه في سياق الظروف القاسية التي تعيشها مناطق النزاع، حيث يصبح القتال أحيانًا خيارًا وحيدًا للنجاة. ومع ذلك، فإن هذه التصرفات، وإن كانت مرفوضة، تحتاج إلى تقييم عادل يأخذ في الاعتبار معاناة الأفراد وواقع الحرب.

ما يدعو للتأمل هو كيف أن أحداثًا أكبر، مثل أزمة هجليج قبل سنوات، لم تؤثر على العلاقة بين شعبي البلدين بالطريقة نفسها. حينها، تُركت القضية لقوات الجيشين لتتعامل معها دون أن تنعكس على حياة المدنيين أو تؤدي إلى استهدافات شخصية. لكن اليوم، يبدو أن خطاب الكراهية عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي يغذي مشاعر التوتر والانقسام، مما يفاقم الوضع ويهدد العلاقات بين الشعبين.

من جهة أخرى، لابد من الإشارة إلى أن حكومة جنوب السودان بذلت جهودًا كبيرة لاحتواء الوضع. في بعض المناطق، تمكنت القوات النظامية من نقل السودانيين إلى مواقع أكثر أمانًا وإجلائهم من أماكن التوتر. كما قامت قوات الشرطة بتعزيز انتشارها في المدن لضبط الأمن، رغم التحديات التي تواجهها بسبب اتساع رقعة الأحداث وتعدد محاورها.

التحديات ليست مقتصرة على جنوب السودان وحده. السودانيون في مناطق النزاع داخل السودان يواجهون ظروفًا قاسية، والجنوبيون الذين علقوا في تلك المناطق يتحملون أعباء مماثلة. لكن هذه القضايا يجب ألا تتحول إلى ذريعة لتبرير استهداف الأبرياء في أي من البلدين.

الحل يكمن في معالجة الأسباب الجذرية للأزمة. لا يمكن الفصل بين الظروف الاقتصادية والاجتماعية التي تعيشها جنوب السودان، وبين تصرفات العصابات والجماعات المتفلتة. هذه العصابات لا تمثل الجنوبيين، تمامًا كما أن الممارسات الفردية لبعض السودانيين لا تعكس الشعب السوداني بأكمله.

المرحلة الحالية تتطلب جهدًا مشتركًا بين حكومتي البلدين، ليس فقط لحماية المدنيين، بل لوضع استراتيجية طويلة الأمد تعزز التعايش السلمي. كما أن المثقفين والإعلاميين مطالبون بلعب دور بناء، بعيدًا عن التصعيد والتحريض. من واجبنا جميعًا أن نكون أصواتًا تدعو للسلام والتفاهم، لا أدوات لزيادة الانقسام.

ختامًا، الأزمة الحالية ليست معركة بين شعبين، بل اختبار لوعينا وحكمتنا. شعوبنا، رغم كل شيء، قادرة على تجاوز هذه المرحلة، كما فعلت في أزمات سابقة، إذا ما أعلينا صوت العقل والإنسانية على أي اعتبار آخر.

*#سلام_تاكم*

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top