ظل صامداً في منزله بحي الدناقة واحتفل بتحريره مع ابطال الجيش
محمد زكي ..أيقونة الثبات في (بحري)
رفض مغادرة منزله وبقى لاقامة التكايا ومساعدة المنكوبين
السكرتير التاريخي للامام اختار البقاء فكتب اسمه في سجل الصامدين
زكي شاهد على تحول الدناقلة من وسط الركام إلى زغاريد النصر
لم يبرح المكان وصمد في وجه العاصفة حتى بزوغ فجر النصر
تقرير : رحمة عبدالمنعم
في قلب حي الدناقلة ببحري، حيث احتدمت المعارك وتعالت أصوات المدافع، كان هناك رجل لم يبرح مكانه، ظل صامداً داخل منزله لما يقارب العامين، متشبثاً بأرضه، ثابتاً في وجه العاصفة، محمد زكي محمود شمس الدين، سكرتير الإمام الراحل الصادق المهدي، لم يكن مجرد متابع لما يجري، بل كان مثالاً للثبات حين اهتزت الأرض من تحت أقدام الكثيرين.
أيقونة الصمود
وعلى مدى ما يقارب العامين، لم يكن الصباح في حي الدناقلة بمدينة بحري كما هو الحال في بقية الأحياء التي خلت من سكانها أو ابتلعتها ظلمة الحرب، كانت الشوارع، التي كانت يوماً ما تضج بالحياة، موحشة يلفّها الحزن، ويخنقها الخوف، وتتحسّس جدرانها وقع أقدام الجنجويد الذين دنّسوا المكان، فسادت لغة الموت وامتلأت الأزقة بندوب الحرب وأوجاعها، لكن في وسط هذا الدمار، كان هناك رجل لم ينكسر، لم يرحل، ولم يتخلّ عن عهده لأرضه وأهله ،بقي سكرتير الأمام الراحل الصادق المهدي /محمد زكي محمود شمس الدين في منزله بالدناقلة، ثابتاً رغم العواصف، متحدياً بحضوره كل دعوات الفرار، متشبثاً بالحي الذي عاش فيه، والذي أصبح خلال الحرب مسرحاًً للقهر والظلم.
كان يمكن له أن يرحل كما فعل كثيرون، أن يبتعد عن النيران والدمار، لكنه اختار البقاء، ليس تحدياً للقدر، بل وفاءً لأولئك الذين لم يجدوا ملاذاً سوى جدران منازلهم المتهالكة، بقي إلى جانب خالته المسنّة، بقي من أجل جيرانه العاجزين، بقي ليكون سنداً لمن لم يستطع الفرار.
وبينما تحوّل الحي إلى ساحة معركة، وامتزجت أيامه بالخوف والجوع والترقب، كان زكي رجلًا في زمنٍ عزّ فيه الرجال، يقتسم مع من حوله ما يملك، يسهر على رعاية الجوعى والمحرومين، يجمع الفتات ليقيم موائد للتكايا، يواسي المنكوبين، ويمسح على جراح الأيام دون أن ينتظر جزاءً أو شكرًا.
ولأنه لم يكن يومًا من أولئك الذين يرضخون لعصف الريح، لم يسلم من سهام الافتراءات، حاول البعض أن يشوّه موقفه، أن يزرع الشكوك حول صموده، لكنه لم يلتفت، لم يكن بحاجة إلى الدفاع عن نفسه، فالحقيقة كانت واضحة كالشمس، وأهل الحي كانوا شهوداً على نُبله وعطائه، في كل شارع من شوارع الدناقلة، كان هناك أثرا ليديه الممتدة بالعون، وكل منزل بقي صامداً وجد في زكي معيناً وسنداً.
لحظة بزوغ الفجر :
ثم جاء ذلك الصباح الذي انتظره الجميع ،صباح الأربعاء، حين تقدّمت قوات الجيش الباسلة إلى قلب حي الدناقلة، لتطهره من دنس المتمردين، وتعيد إليه نبضه المسلوب، تعالت الهتافات، امتزجت الدموع بالفرح، وعادت الحياة إلى الأزقة التي كانت بالأمس تحت سطوة الظلام، وفي وسط هذا المشهد، كان محمد زكي هناك، لم يكن مجرد متفرج، بل كان جزءاً من هذا النصر، عانق الجنود، صافحهم بيدٍ ارتعشت من فرط المشاعر، وشاركهم فرحة طال انتظارها، لقد صمد حتى النهاية، وظل في منزله حتى عاد الحق إلى أهله، فكان لصموده معنى، ولتضحياته ثمنٌ غالٍ، لكنه لم يتراجع، لم يتزعزع، لم ينكسر.
لم يكن هذا الانتصار مجرد تحرير للحي، بل كان تحريراً للروح، للكرامة، للحق الذي لا يُهزم مهما طال ظلام الباطل، ووسط زغاريد النساء وتهليل الرجال، وقف زكي رافعاً رأسه، كأنما يعلن للعالم أنه قد وفى بعهد الصمود حتى النهاية، وأن كل لحظة من الألم والمعاناة لم تذهب هباءً.
شهادات المحبين
حين تناهت الأخبار إلى القيادية في حزب الأمة القومي، رباح الصادق المهدي، لم تستطع حبس مشاعرها، فانطلقت كلماتها تحمل كل الحب والاعتزاز بزكي، الذي وصفته بأنه أيقونة للعطاء والتضحية، كتبت رباح بحروف يغمرها التأثر العميق على صفحتها بموقع “الفيسبوك ):”محمد زكي، مسؤول العلاقات العامة والإعلام بالمكتب الخاص للإمام الصادق المهدي، الإنسان الأقرب للملاك، أيقونة الهمة والبذل والمحبة والوفاء والكرم واللطف وخفة الدم والتضحية من أجل الآخرين والقضايا التي يؤمن بها، منذ تفجر الحرب وكلنا يحثه على الخروج من منزله، ولكنه بقي إلى جانب خالته المسنة وغيرهم من الأهل الذين يعجزون عن الحركة، ثم صار كعادته أيقونة للعطاء عبر التكايا وتفقد الآخرين ممن بقوا في العقاب، تعرض خلالها برغم تجرده لمحاولات التشويه والاتهامات الجزافية.. هطلت دموعنا شخصي والحبيبة نجاة محمد علي، اختلط الفرح بالأسى على ما أصابه ومن معه، وما أصاب الوطن بهذه الحرب
أما الصحفي عزمي عبد الرازق، فلم يكن أقل انفعالًا، وهو الذي رأى في زكي آخر نفحة من الإمام الراحل الصادق المهدي، فكتب عنه :”محمد زكي سكرتير الإمام الراحل الصادق المهدي، يشارك الجيش انتصاراته اليوم من داخل حي الدناقلة ببحري، وقد ظل زكي، النفحة الأخيرة من الإمام الراحل، صامدًا على مواقفه الإنسانية وأخلاقه النبيلة، منغمسًا في خدمة المساكين، ضحايا الحرب، على عكس جنجويد حزب الأمة من شاكلة زينب الصادق ومحمد حسن التعايشي ومناع، ورهط برمة ناصر والواثق البرير، الذين باعوا الحزب إلى آل دقلو، وعملوا على خدمة المشروع الإماراتي الانفصالي والتدميري.. ليس أمام الأنصار الشرفاء سوى انتزاع الحزب من كوادر المليشيا، ومحاكمتهم والتخلص منهم، فهؤلاء وصمة عار في تاريخ الحزب العريق، ولعبة رخيصة في يد القتلة.”
رجلٌ لا تبتلعه العاصفة
لقد كانت الحرب اختباراً قاسياً لكل من ظل في السودان، لكنها كانت أشد قسوة على أولئك الذين آثروا البقاء في قلب العاصفة، كان محمد زكي واحداً من هؤلاء، ممن لم يُغادروا رغم أن الموت كان أقرب إليهم من الحياة، لكنه صمد كما صمدت جدران منزله، وانتظر حتى جاء فجر النصر، فكان من أوائل المهنّئين، لا لنفسه، بل لوطنه، ولحيّه، ولأهله الذين صبروا حتى انجلت الغمّة.
لم يكن زكي مجرد رجلٍ مكث في منزله، بل كان رمزاً لصمود منطقة بأكملها، رجلًا وقف في وجه الرياح، ولم يسمح لها أن تقتلع جذوره من أرضه، واليوم، وهو يحتفل مع الأبطال في الدناقلة، يبدو كما لو أنه يهمس لتلك الجدران التي شهدت صموده: لقد كنتُ على العهد، ولم أبرح المكان.. حتى عدتم يا أبطال.






