حاجب الدهشة
علم الدين عمر
بشري البطانة..أي جرح هذا الذي لم يعد يؤلم؟!!
بالأمس وعلي أشجان أمسيات الوطن المجروحة وفي هوامش الأسئلة الثقيلة..جمعتنا جلسة غير مخططة ..نحن ثلة من الصحفيين نحاول أن نكتب لا بياناً ولا خبراً..بل نحت ملامح خطاب وطني يليق بجراح هذا الشعب..ويعيد تعريف المعنى وسط الدمار..
وبين الكلمة والكلمة.. ألتقينا الحبيب الشاعر بُشرى البطانة بعد غياب طويل وشتات مديد… لم نتبادل التحايا المعتادة.. بل وقفت بيننا البلاد.. بثوبها الممزق.. تنظر إلينا كأم تُطالب أبناءها بأن يكفكفوا دمعها… أن يكتبوها من جديد..شعراً ونثراً وقصيد..
كان اللقاء عاطفياً حد الصمت.. كان الشعر ينزف من نظراته وكانت القصيدة حبيسة الحنجرة.. تنتظر لحظة انفجار فقد قُصفت بورتسودان قصفتها الطائرات المسيّرة..سقطت بعض المباني لكن شيئاً لم يسقط في السودانيين… بل نهض شيء آخر.
أي زمن هذا الذي يعيد ترتيب الخريطة بالدم لا بالحبر؟
وأي جرح هذا الذي لم يَعد يؤلم بل يُنبت وعياً؟
لم نكن بحاجة لتحليل سياسي بل لصلاة..وصلاة الوطن فرض..
ولم تكن دموع بشرى البطانة شعراً بل كانت بلاغة الوطن حين يُهان.
جاء خطاب الفريق أول عبدالفتاح البرهان حاملاً لغة صريحة، تؤكد أن قصف بورتسودان لن يكون نهاية.. بل بداية لوحدة جديدة صلبة كالندبة واضحة كالحقيقة.
قالها دون مواربة: “هذا الإعتداء لا يفرقنا… بل يجمعنا حول معركة “الكرامة.”
وبالفعل لم يكن الرد عسكرياً بل وجدانياً..
من كل مدينة خرج الصوت واحداً: الآن فهمنا… الآن توحدنا.
لم تكن الطائرات وحدها في السماء..
بل كانت أرواح الذين لم يناموا منذ سنوات..
لم يكن الدخان وحده في الأفق بل كانت ملامح الوطن تتشكل من جديد… من الرماد.
هذا الشعب لا يُقهر لأنه لا ينهار.
تحت كل حجر مدمر توجد ذاكرة.
تحت كل ركام حلم لم يمت.
وفي كل خيمة نزوح، قلب ما زال ينبض بإيمان لا يُشترى.
الذين ماتوا… لم يغيبوا.
صاروا نشيداً.
والذين نجوا… لم يفروا.
صاروا سيوفاً مغموسة بالوفاء.
السودان، الذي جُرب في كل أنواع الألم ما زال يجربنا في الصبر.
وها نحن.. مرة أخرى ننجح في أمتحان الوحدة ونفشل في أن ننكسر.
من تحت ركام بورتسودان صعد الوطن.
ومن صمت الشعراء أنفجرت القصيدة.
ومن بكاء الأمهات كُتب العهد.
نحن شعب كلما قُصف… كتب نشيده من جديد.
نحن السودانيون،
لا نخسر سوى الأغلال.






