أفياء أيمن كبوش (سيب الخرطوم.. قوم بارحا)

أفياء
أيمن كبوش
(سيب الخرطوم.. قوم بارحا)

# في وقتٍ ماضٍ من سنى عمرنا الزاهر وعمر الانقاذ الذي مضى، كانت طبيعة الحياة مختلفة تماما عن ما هي عليه الآن، كانت مدينة صغيرة ومحدودة المساحة السكنية مثل سنار، تضج بالحياة الاقتصادية وتصدح بدوران ماكينات العمل، سواء كان عبر حركة الإنسان اليومية.. أو حركة الماكينات التي تدور ضجيجا ووعدا وقحما وتمني.
# كانت مشاريع الصناعات الصغيرة والمتوسطة على مد البصر، الزراعة والصناعة وتوسع وسائل الإنتاج وتوفر المدخلات والآليات، وعندما كنا.. وكانت تلك الايام، رأينا مصنع النسيج على الجوار.. يغزل خيوطاً بحجم الحكايات والامنيات، يشغل العمالة من الجنسين عبر الورديات ومركبات الترحيل تجوب المدينة صباحا ونهارا ومساءً، هكذا تسير الحياة في بقية المصانع والمؤسسات، كان هناك ذلك الصرح العملاق (مؤسسة النيل الازرق الزراعية).. علامة وشامة على خد الإقليم المزدهر بمساحاته المروية بماء الأرض وماء السماء من أجل الإنتاج والانتاجية، المحاصيل تملأ الأسواق المحلية.. القمح وعباد الشمس.. السمسم والزرة بأنواعها المختلفة.. تنقل المحاصيل عبر القطارات والناقلات إلى موانئ التصدير، كان وقت الحصاد هو إعلان رسمي لمواسم الافراح الممتدة، الزواج وختان الانجال ونقارات الطرب، كانت هناك مصانع الطحنية.. رائحة السمسم وعرق العمال اليومي في النظافة والتعبئة، ومخازن الصمغ العربي على مد البصر، عمال اليومية يقومون بأعمال التنقية والتعبئة في الجوالات، وهناك مصانع الزيوت بأنواعها.. الفول والسمسم والعباد.. وهناك المحلج، في قلب المدينة بمساحته الواسعة.. وفي منطقة كساب، بيوت الموظفين، والتعاونيات، كنا نحن أبناء التجار نراقب دفاتر الجرورة واقاصيص البيوت التي تستلم (مونة) الشهر بالمتكفي والشراء الآجل.. جوال الدقيق.. جوال السكر.. كرتونة الصابون.. كرتونة المعجون.. كرتونة الكبريت.. باقة الجازولين.. وقتها كان الناس كلهم (حالهم زين).. كيف اختفت تلك المظاهر التي رأيتها رأي العين من شاشة مدينتي وحدها، سنار، بينما كانت مدن السودان كلها تفخر بالانتاج لا عدد الذين يحملون البندقية لأخد الحقوق، كانت حلويات سعد في الكريمت حيث المناقل التي تصنع الزيوت مثل صناعتها للحلويات الفاخرة، وكانت ود مدني مركز تجاري صخم وفاخر ينافس حناكيش الخرطوم على البيبسي والسجائر ثم يصرعهم بالقطن طويل وقصير التيلة، فيما اختارت الحصاحيصا أن تكون منافسا في اشياء اخرى مثل القماش ومشروب الفرات مثلها وام روابة بزيوتها المتفردة وكسلا وكريمة بمصانع التعليب في زمن الإمكانيات الشحيحة.. أيامها كانت كل مدن السودان في حالة سباق من أجل التميز وتوطين السكان.. لذلك لم تكن الخرطوم هدفا ولا البقاء فيها جاذبا لمن ينشطون في الزراعة.. ويبرعون في تطوير مشاريع الصناعات الصغيرة.
# ذلك زمان مضى.. دون أن نتوقف في الأسباب.. سواء كان هذا التدهور الحالي بسبب الحصار الذي أوقف عربات القطار أو خلل السياسات الاقتصادية وجهل الحكومات المتعاقبة التي افقرت الشعب واغتالت الطبقة المتوسطة والفقيرة لكي تفسح الطريق لطبقة جديدة من العدم وهي طبقة الشاطر يأكلها والعة.. كل ذلك لا يعني شيئا أمام طموحاتنا الجديدة.
# أعود وأقول بإمكان تلك الأيام الزواهر النواضر أن تعود. هاهي منظومة الصناعات الدفاعية تكتب السطر الاول من ولاية نهر النيل.. وتبدأ في اطلاق المشاريع المعنية بالأمن الغذائي، ولعل نهر النيل سوف تكون مجرد بداية جادة لاستكمال العمل في بقية المشاريع في جميع أنحاء السودان، هذه هي المشاريع التي سوف تعيد السودان إلى الطريق الصحيح بعد أن (خرب البترول طبعنا) وأجهز الدهب على الباقي.. فتحولنا جميعا إلى سماسرة وجوكية نبحث عن الكسب السريع، يجب أن يعود السودان إلى الإنتاج لكي ينهض من الركام والله المستعان.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top