أفياء أيمن كبوش مستشفى النو.. هذا يوم شكركم.. !

أفياء
أيمن كبوش
مستشفى النو.. هذا يوم شكركم.. !

# قلت له: ترددُنا كزائرين ومعاودين أو مرافقين للمرضى في الكثير من مشافي السودان المختلفة، حكوميها وخاصها، كُبراها وصُغراها.. صنع لنا حاجزاً يحجب التصالح مع الدكاترة (ﻭﻻﺩﺓ ﺍﻟﻬﻨﺎﺀ)، حيث كنا نرى في تعامل بعضهم، بعض افتراء أبناء النقاء المهني المُدّعى لأن كل فرد في مهنته مهم.. لذلك ﺍﺳﺘﻨﻜﺮﺕ يوما ﺗﻠﻚ ‏(ﺍﻟﻌﻨﻄﺰﺓ) ﺍﻟﻜﺬﻭﺑﺔ ﺍﻟﺘﻲ ﺟﻌﻠﺖ ﻣﻦ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﺍﻟﻤﺪﺍﻭﻱ، ﻋﻨﺪﻧﺎ، (حانوتي) يختم على خطاب ﺷﻄﺒﻚ ﺍﻟﻨﻬﺎﺋﻲ ﻣﻦ ﺍﻟﺪﻧﻴﺎ بعد أن يمنحك تأشيرة دخول ﺍﻟﻤﻘﺎﺑﺮ..
# في نوفمبر من العام 2019 كنت اقول ﺑﺬﻟﻚ مستشهدا ببعض المواقف.. واكرر ﺍﻟﻠﻮﻡ.. ولكنني اجد ﺍﻟﻌﺬﺭ ﻟﻬﺬﺍ ﻭﺫﺍﻙ من الأطباء وبقية المعالجين ﻷﻧﻬﻢ ﻣﻨﺎ.. ﻣﻦ ﺃﻓﺮﺍﺣﻨﺎ ﻭﺃﺗﺮﺍﺣﻨﺎ وبلاوينا.. ﻓﻨﻜﺘﻔﻲ بالقول بأن ﻣﻨﻈﻮﻣﺘﻨﺎ ﻛﻠﻬﺎ ﻣﺎﺯﺍﻟﺖ ﺗﻘﺒﻊ ﻓﻲ ﻏﻴﺒﻮﺑﺔ ﺍﻟﻔﺸﻞ ﺍﻟﻄﻮﻳﻞ.. ﻟﻴﺲ ﻫﻨﺎﻙ ﻣﺜﺎﻝ ﻳﺴﺘﺤﻖ (ﺍﻵﻳﺰﻭ) ﻓﻲ ﺃﻱ ﻗﻄﺎﻉ.. ﻭﻟﻜﻦ ﺭﻏﻢ ﺫﻟﻚ ﺳﻴﻈﻞ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻥ ﻓﻴﻨﺎ، ﺭﻏﻢ ﺃﻭﺟﺎﻋﻪ ﻭﺻﺪﺍﻋﻪ.. ﺍﻷﺣﺐ ﺇﻟﻰ ﻧﻔﻮﺳﻨﺎ ﺑﻐﺒﺎﺭﻩ ﺍﻟﻌﺎﻟﻖ وكتاحته المستعرة.. ثم قدمت مناشدة: ﻳﺎ ‏(ﻭﻻﺩﺓ ﺍﻟﻬﻨﺎﺀ) ﻓﻲ ﺳﻮﺩﺍﻥ ﺍﻷﺷﻴﺎﺀ ﺍﻟﺘﻲ ﻛﺎﻧﺖ ﺟﻤﻴﻠﺔ.. ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻘﺪﺭ ﻣﻦ ﺍﻟﻌﻨﺎﻳﺔ ﻧﺤﻦ ﻻ ﻧﻄﻠﺒﻪ ﻛﻠﻪ.. ﻭﻻ ﻧﻌﺸﻢ ﻓﻴﻪ ﺇﻻ ﺑﺤﺠﻢ ﻋﻄﺎﺋﻨﺎ ﻣﺪﻓﻮﻉ ﺍﻟﻘﻴﻤﺔ.. ﻻ ﺗﻜﻮﻧﻮﺍ ﺃﻧﺘﻢ ﻭﺍﻟﺰﻣﻦ ﻋﻠﻰ ﻫﺆﻻﺀ ﺍﻷﻧﻘﻴﺎﺀ ﺍﻟﺒﺴﻄﺎﺀ ﻣﻦ ﺃﺑﻨﺎﺀ ﺷﻌﺒﻜﻢ ﺍﻟﻜﺮﻳﻢ ﺍﻟﺬﻳﻦ ﺿﺎﻗﺖ ﺑﻬﻢ ﺍﻟﻤﺸﺎﻓﻲ ﺑﻤﺎ ﺭﺣﺒﺖ ﻭﺍﺯﺩﺣﻤﺖ ﺑﻬﻢ ﺍﻟﻌﻴﺎﺩﺍﺕ.. ﻓﺼﺎﺭ ﺑﻘﺎﺅﻫﻢ ﻓﻲ ﻣﺴﺎﻛﻨﻬﻢ ﺃﻗﻞ ﻣﻦ ﺑﻘﺎﺋﻬﻢ ﻓﻲ ﻋﻴﺎﺩﺍﺕ ﺍﻷﻃﺒﺎﺀ.. ﺃﻻ ﻳﺴﺘﺤﻘﻮﻥ ﻣﻨﻜﻢ ﻣﻌﺎﻣﻠﺔ ﻛﺮﻳﻤﺔ ﺗﺨﻔﻒ ﻋﻨﻬﻢ.. ﻭﺗﻌﻄﻴﻬﻢ ﺍﻷﻣﻞ ﺑﺄﻥ ﻳﻌﻮﺩ ﻟﻨﺎ ﺫﻟﻚ ﺍﻟﻄﺒﻴﺐ ﺍﻟﺴﻮﺩﺍﻧﻲ.. ﺍﺑﻦ ﺍﻟﺒﻠﺪ ﺍﻟﻨﺒﻴﻞ ﺍﻟﺬﻱ ﻳﻌﺎﻣﻞ ﺍﻟﻤﺮﻳﺾ ﻭﺍﻟﻤﺮﻳﻀﺔ ﻋﻠﻰ ﺃﻧﻬﻤﺎ ﺃﺑﻮﻩ.. ﻭﺃﻣﻪ .. ﻻ ﺫﻟﻚ ‏المواطن (الساي) ﺍﻟﺬﻱ ﻳﺴﺘﺤﻖ ﺍﻻﺯﺩﺭﺍﺀ.
# أعود وأقول إن ذلك زمان مضى إلى أقبية النسيان، ويجب أن نشكر الظروف الصعبة و(الحال الحرن).. لأن هناك نماذج طيبة عادت لتغير معالم حياتنا البائسة إلى حاضرٍ انضر واجمل.. وهي نماذج تستحق أن نتوقف عندها إجلالاً لكي ندق لها الكعوب ونؤدي التحية الإنسانية والعسكرية معاً.
# محدثي وباعث هذه الخواطر كلها، هو استاذي الكبير (الرشيد بدوي عبيد)، شفاه الله وعافاه، رجلٌ جاب عواصم الدنيا كلها طولا وعرضاً، وعندما اشتدت عليه أعراض ومضاعفات مرض السكر اللعين، لم يجد إلا (مستشفى النو) الام درماني لكي يطبطب عليه ويعالج اوجاعه، صحيح أن بتر القدم عملية مؤلمة ولكنها تمثل آخر العلاج الذي برعت فيه المستشفى بمهنية عالية، لا لان المريض هو معلقنا العالمي (الرشيد بدوي عبيد)، لان الحقيقة الراسخة بيانا بالعمل وسط الناس، أن هذا المستشفى الذي لا اعرف مديره ولا خفيره حتى، قدم انموذجا حياً للأصالة والنبل الذي ينبغي ان يتوج جميع العاملين به، بنوط الواجب ونوط الشجاعة ونوط الخدمة الممتازة، طالت أو قصرت، لأن هذه الخدمة، جاءت في الزمن المستحيل، أيامها كانت (مستشفى النو) هي الاحداثيات.. وهي مرمى التدوين والدانات والصواريخ الفتاكة، كانت المليشيا تستهدف المواطنين وتريد أن تبعث برسالة تقول انهم ليسوا آمنين حتى في مناطق سيطرة الجيش، فركزت مستشفى النو، كما ينبغي، مثلها والقيادة العامة والمدرعات وسلاح الإشارة ومنطقة حطاب ووادي سيدنا، كان العاملون بها رسل إنسانية بحق، وملائكة رحمة، فاستحقوا التحية والتقدير.
# كان اخي الرشيد بدوي، يحدثني عن (مستشفى النو) بعد ان عاد من ام درمان إلى القاهرة لاستكمال التعافي ببساط ريح (الفريق أول ركن مهندس ميرغني ادريس سليمان)، مدير عام منظومة الصناعات الدفاعية، ابن الدفعة 31 كلية حربية وابن السودان البار ومفخرة الرياضيين، وكأنه يتحدث عن مشافي لندن رغم الظروف الصعبة، انقطاع الكهرباء واعتصام الماء والأمصال العدم، ولكن كان المرضى يتعاملون مع الوضع المتردي في نقص العلاج والتنويم وعدم استيعاب المستشفى للحالات الطارئة من جرحي الحرب ومصابي الكوليرا الذين افترشوا الارض، بيقين وإيمان وصبر، لأن المستشفى، بسيط الامكانيات، قدم ما يستطيعه على حسب قدرته والدنيا حرب ووالي الخرطوم قليل الحيلة ويده مغلولة بإمكانيات الدولة الشحيحة.
# تحدث رشيد بدوي عن الاخصائيين وجميع الدكاترة بفخر واعتزاز، وقال إنه لم يحس بالارتياح الا بعد ان غادر المستشفى إلى بيته وهو في تمام الصحة، هذا التعبير عن الامتنان لا يخصه وحده، بل يعبّر عن كثيرين لم يجدوا ملتجأً الا مستشفى النو الذي اختار بإرادة الشجعان، أن يكون هو الانسان والواحد الصحيح في عرض وطول ام درمان.
# التحية لوزارة الصحة الاتحادية بقيادة دكتور هيثم باسنادها للوزارة بولاية الخرطوم وهي كذلك كانت سندا (بدد جبال الهم)، والتحية كذلك لمدير عام مستشفى النو.. والتحية لكل المتواجدين لخدمة المرضى وقد كانوا أكثر إصرارا وثباتا من أجل البقاء في تلك البقعة، وكأنهم يمدون ألسنتهم للغزاة الاوغاد، سخرية، بأن داناتهم تلك، لن تحرك فيهم شعرة أو تخصم من ذلك الثبات الأسطوري الذي سوف يحفظه التاريخ، لله درهم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top