تلاقت فيها الجيوش وسط فرحة عارمة عانقت الجبال..
كادوقلي..فتح شريان الحياة..
تقرير: إسماعيل جبريل تيسو
المواطنون استقبلوا القوات بالدموع والزغاريد
الإدارة الأهلية تُرحِّب.. وتقطع طريق الشائعات
الوالي ل”الكرامة”: الأهالي صبروا على القصف والجوع والمرض
تفاعل كبير من الجماهير مع التشكيلات العسكرية المختلفة
الأطفال والنساء يركضون في الطرقات ويتحدّون مسيرات المليشيا
كان يوم أمس الثلاثاء الثالث من يناير 2026م، يوماً وطنياً مهيباً، سطّرت فيه القوات المسلحة السودانية صفحة جديدة من الصمود والانتصار، بتلاحم أبطال متحرك الصياد بمختلف تشكيلاته مع فرسان الفرقة “14” مشاة كادقلي، ليُكسر حصار خانق جثم على صدر حاضرة ولاية جنوب كردفان لنحو ثلاث سنوات عجاف، سنوات ذاقت فيها كادقلي مرارات الجوع وقسوة القصف بالمسيرات والدانات، لكنها ظلت واقفة كالجبل، صابرة ومؤمنة بأن الجيش – وإن تأخر – لا بد آتٍ… وقد أتى.
أفراح هادرة
لقد خرجت كادقلي عن بكرة أبيها، مدينةً كاملةً تمشي على قدمين، تستقبل طلائع القوات بالدموع والزغاريد والهتافات التي ارتفعت عالياً: (جيشٌ واحد، شعبٌ واحد)، وقبل يومين، وتحديداً مساء الاثنين، كانت المدينة قد عاشت على وقع شائعة تسلّلت إلى القلوب قبل الشوارع، عن وصول القوات إلى تخوم كادقلي، فخرج الناس على عجل، يتلمّسون الأمل في العتمة، قبل أن تُنفى الشائعة، لكنها لم تكن إلا دليلاً صادقاً على عطش المدينة لرؤية متحرك الصياد وهو يلتحم بقوات الفرقة “14” مشاة… وهو ما تحقق بالفعل صباح الثلاثاء، صباحٌ انفجرت فيه شلالات الفرح، وسالت دموع الانتماء ومشاعر الناس في شوارع كادقلي، فارتفعت الزغاريد رغم أنف المسيرات التي حاول العدو بها اغتيال الفرح، فارتقى ثمانية شهداء، لكن الأفراح لم تمت… لأن المدن التي تتقن الصبر، رغم العدم، لا ولن تُهزم، فقد تزاحم الأطفال، والنساء ركضن خلف القوات، المشهد كان نقيضاً لما يحدث في مناطق سيطرة ميليشيا الدعم السريع، حيث يهرب الناس من المدن، بينما في كادقلي ركضت المدينة كلها نحو جيشها.
راحة بعد معاناة
ولا غرو أن تكون فرحة كادقلي طاغيةً، وأقرب إلى الهستيريا الجماعية، بعد ثلاث سنوات عجاف رأت فيها المدينة شبح الجوع ماثلاً في كل بيت، كانت مسغبةً قاسية أكل فيها الناس لحاء الأشجار، واقتاتوا على الحشائش والثمار، وشحّت الأدوية حتى صار المرض عدواً إضافياً، ومع ذلك، تمسّك كثيرون بالأرض، واختاروا الموت جوعاً على مغادرة أرض الأجداد، الأرض التي ورثوا منها القيم، ورضعوا فيها من ثدي المبادئ، ورقصوا فوق ترابها على إيقاع الكِرانق والكمبلا، ومارسوا طقوس الكجور، وتغنوا على أنغام النقارة، والمردوم، … وها هم اليوم، يرقصون بكل اقتدار على ألحان الانتصار.
عصيِّة على الانكسار
والواقع أن جبال النوبة ليست طارئة على المقاومة، فهي أرض عصيّة على الانكسار، شهدت ما لا يقل عن “17” ثورة ضد المستعمر، انطلاقاً من ثورة مقتل أبو رفاس، في تلودي، وثورة الفكي علي الميراوي، في كادقلي، وثورة السلطان عجبنا، في الدلنج، فهي تاريخٌ حافلٌ وعريض يقول لسانه: “إن هذه الأرض لا تُسلَّم، ولا تُفتح إلا بأهلها”، وقد عبّر رجالات الإدارة الأهلية عن هذا الموقف بوضوح، برفعهم شعارات مرحِّبة بدخول القوات إلى كادقلي، في دحض عملي وقاطع للشائعات التي راجت حول طلب الإدارة الأهلية تسليم ولاية جنوب كردفان – إقليم جبال النوبة، (تسليم مفتاح) إلى تحالف (الحلو– دقلو)، وفي تطور لافت، أُعلن عن وقف التكايا والمطابخ المجانية المتحركة بعد فتح الطريق، ما يضع المنظمات الوطنية والأجنبية والمبادرات الإنسانية أمام اختبار حقيقي لتقديم الإغاثة المنظمة، في ظل توقعات بتدفق السلع عبر الشاحنات التجارية، الأمر الذي يُنتظر أن ينعكس إيجاباً على خفض الأسعار التي بلغت أرقاماً فلكية خلال فترة الحصار.
الوالي يهنئ
وسارع والي جنوب كردفان، الأستاذ محمد إبراهيم عبد الكريم إلى تهنئة جماهير مدينة كادقلي خاصة وعموم أهل جنوب كردفان والسودان عامة، بالتحام أبطال متحرك الصياد مع فرسان الفرقة “14” مشاهة كادقلي، وامتدح الوالي في إفادته ل(الكرامة) التضحيات الجسام التي قدمها أبطال الجيش بمختلف تشكيلاتهم في سبيل تحقيق هذا النصر الباهر والمنتظر، وزاد: الحمد لله فقد تم فك الحصار عن مدينة كادقلي الذي تضرر منه الناس لفترة طويلة، وتم فتح وتأمين الطريق بواسطة القوات المتحركة التي شاركت فيها القوات المسلحة والقوة المشتركة، والبرَّاؤون، والدرَّاعون، والمقاومة الشعبية، لهم التحية والتقدير وقد جعلوا بتضحياتهم الكبيرة الحلم حقيقة، ونوه الوالي إلى الخروج العفوي لمدينة كادقلي احتفالاً بهذا الانتصار الذي رفع الحصار وفتح الطريق، مبيناً أن المواطنين قد صبروا رغم الجوع والمرض ونقص الأدوية، لكن بالصبر والجلد ظل أهل كادقلي شامخين كالجبال، صبروا مع إخوتهم في الدلنج وكل المنطقة الغربية حتى فرّج الله الكربة، وأكد الوالي أن الطريق الآن سالك، والسلع والأدوية ستدخل، والتواصل سيعود بعد حرمان طويل، وأضاف: ” نتمنى أن يكون هذا الانتصار فاتحة لانتصارات أخرى، بنظافة ما تبقى من جنوب وشمال وغرب كردفان، وصولاً إلى دارفور بإذن الله”.
خاتمة مهمة
ومهما يكن من أمر.. يبقى التحام متحرك الصيّاد بتشكيلاته المختلفة، مع قوات الفرقة “14” مشاة كادقلي بمثابة كسرٍ لعزلة، واستعادةٍ لثقة مدينة في دولتها، ورسالةٍ بأن الحصار مهما طال لا يصمد أمام إرادة الصابرين، فتلاحم الجيش والشعب في كادقلي كان فعلاً مشهوداً بالدم والدموع والزغاريد، وها هي ( عروس الجبال) تفتح اليوم نافذةً للحياة، وتؤكد أن المدن التي تحفظ ذاكرتها، وتحمي جذورها، لا تُؤخذ رهينة، ولا تُكسر… بل تنتظر جيشها، حتى يأتي.






