آخر الأسبوع المليشيا تتقاسم الوزر مع ناشطين “برعونة سياسية”.. (4 ) مشاهد على حافة الإنتصار.. تآكل المليشيا من الداخل..وبروز تصاعدي لحكومة الأمل.. الكرامة:علم الدين عمر

آخر الأسبوع

المليشيا تتقاسم الوزر مع ناشطين
“برعونة سياسية”..

(4 ) مشاهد على حافة الإنتصار..

تآكل المليشيا من الداخل..وبروز تصاعدي لحكومة الأمل..
الكرامة:علم الدين عمر

القوات المسلحة..نزع الأنياب والإجتياح الممنهج…

استمرار الدفع بعجلة العودة الطوعية ..واختراق فى ملفات مدنية

الكرامة:علم الدين عمر

بينما يواصل السودان عبوره الصعب بين نيران الحرب وشظايا الخراب بدأت تتشكل خلال الإسبوع الماضي ملامح تحول نوعي في مسار الأحداث.. ففي الوقت الذي تم فيه تشكيل الحكومة الموازية واصلت مؤسسات الدولة والحكومة بقيادة الدكتور كامل إدريس وبتنسيق محكم مع مجلس السيادة وبقية مكونات الدولة في ترتيب أوراقها بثقة قادت لإنتصارات ميدانية في كافة المحاور المدنية وأستمرت في الدفع بعجلة العودة الطوعية للنازحين واللاجئين في إشارة قوية لإستعادة زمام المبادرة.. هذا الأسبوع شهد أربع قضايا مركزية تُشكل مشهد المعركة المفتوحة..

أولاً/حكومة “التأسيس” المزعومة:

إعلان سياسي من دون أرض أو شرعية..

أعلنت مليشا الدعم والفصائل المدنية المتحالفة معها عن تشكيل ما يسمى بـ”الحكومة التأسيسية المدنية الإنتقالية” من عاصمة جنوب دارفور”نيالا” التي تسيطر عليها في إنهيار شامل ومشهود البنية المدنية وأرتفاع مستوي التهديد المدني لمستوي غير مسبوق في تاريخ الحروب ..وهو ما أُعتُبر تطوراً خطيراً على مسار التحالف السياسي للإئتلاف المتماهي مع المليشيا بعد طول تردد في المواقف ..حيث أبدي مراقبون دهشتهم من الرعونة السياسية في هذا الإعلان الذي تسعي من خلاله مليشيا الدعم السريع لتوريطهم في تحمل عبء جرائمها الموثقة ضد الشعب السوداني فيما بدا ك”إنتحار” علي أنقاض قضيتهم المزعومة..أو ما يشبه “التطهر في مستنقع الدماء”..
وهو إعلان كما بدا بلا أثر فعلي على الأرض..
الأمر صُنف كهروب إلى الأمام وسط الإنهيار..
البيان الذي أعلنه حلفاء الدعم السريع لا يمثل إلا تأكيداً على عزلتهم.. إذ جاء في وقت تشهد فيه المليشيا تراجعاً في دارفور وتعرضت مراكزها في كردفان لغارات دقيقة أربكت قياداتها..بالمقارنة تشبه هذه الخطوة سلوك المليشيا في التهور السياسي وبحث قادة تأسيس من الناشطين والمتشقين عن الدولة وعن حركاتهم وأولئك الذين تلوثت أيديهم بدماء الكرامة ولم يعد من سبيل لعودتهم حتي لمجتمعاتهم البسيطة وأسرهم التي تم تهجيرها وتقتيلها وسلبها ونهبها بواسطة مليشيات الدعم السريع..الإعلان الذي لم يجد إعترافاً لا محلياً ولا دولياً ولا إقليمياً..والذي سارعت كل الكيانات التي كانوا يعولون عليها بإدانته وشجبه بإعتباره “تأسيس” لعمل نشاذ وغير مأمون العواقب علي مستقبل المنطقة وقواعد اللعبة الدولية والإقليمية..
و بخلاف هذه الهياكل الوهمية بدأت حكومة الدكتور كامل إدريس بروزاً تصاعدياً في الأداء من خلال إستكمال البناء المؤسسي (تشكيل المجلس الأعلى للسلم الاجتماعي وعدد من الهياكل الداعمة للسلطة في الدفع بعدد من الإصلاحات الاقتصادية والإدارية).. وإعادة تشغيل بعض المرافق الحيوية في ولايات الشرق..الجزيرة..النيل الأبيض وكردفان وسنار والبدء بقوة في إعادة المؤسسات الإتحادية لمقارها في الخرطوم بما يُعيد الإعتبار لوظيفة الدولة كحاضن وحيد للشرعية.

ثانياً/ التفوق الجوي والقصف الذكي..نزع الأنياب والإجتياح الممنهج..

وفي الأثناء بدأت القوات المسلحة والقوي المشتركة والمستنفرين في إستئناف شن سلسلة من الغارات الدقيقة والفعالة ضد أهداف إستراتيجية تابعة لمليشيات الدعم السريع في كردفان الكبري وأجزاء واسعة من دارفور حيث أُعلن عن تدمير مخازن للأسلحة..ومقرات عمليات.. ومراكز تنسيق لوجستي..

تكتيك هندسي لإعادة تشكيل المعركة..

ما يحدث ليس مجرد “قصف جوي”.. بل هو جزء من تكتيك ثلاثي الأبعاد يمضي في إتجاه:

إضعاف العمود الفقري اللوجستي للمليشيا..
وإرباك القيادة والإتصال في المواقع المحورية..وإحداث فراغ عملياتي إستعداداً فيما يبدو لإجتياح بري شامل..
يُستحضر في هذا السياق نموذج الضربات الجوية التي مهدت لإجتياح الموصل 2017 ..والتي سبقتها 60 يوماً من القصف المركز لإستنزاف داعش
الفرق هذه المرة أن الجيش السوداني يملك الغطاء السياسي الكامل..والدعم الشعبي المتزايد.. والقيادة الموحدة.. بخلاف الوضع في 2023..حيث كانت المبادرة تتوزع بين مراكز متعددة إحتاجت لبعض الوقت لإلتقاط الأنفاس وتنفيذ إستراتيجية الجيش في “الحفر بالإبرة” كما وصفها القائد العام ورئيس مجلس السيادة الفريق أول عبدالفتاح البرهان حينها..
تدل التحركات الحالية على أن ما يتم هو تمهيد واسع النطاق لهجوم منسق على عدة محاور.. قد يُطلق قريباً في ظل المؤشرات العسكرية التي تتصاعد على الأرض.

ثالثاً دارفور : بين جحيم المليشيا ورايات التحرير الزاحفة..

المعارك الدائرة في جنوب دارفور خصوصاً في نيالا وكاس.. شهدت هذا الأسبوع تطوراً لافتاً حيث تمكنت وحدات الجيش العاملة هناك بالتنسيق مع القوي المجتمعية وتحالفات الكيانات العسكرية المختلفة من كسر خطوط الإمداد.. وأستعادة أجزاء من تلك الأنحاء وحتي تخوم نيالا التي تتقاتل علي بواباتها تقاطعات القبائل وال”غبائن” داخل منظومة المليشيا شبه المنهارة عسكرياً وأمنياً في ظل المجازر الوحشية التي ترتكبها قوات المليشيا..

بين الكارثة والفرصة..

رغم الألم الإنساني الكبير..خصوصاً مع تقارير النزوح والمذابح.. فإن المعارك الأخيرة تشير إلى إنقلاب ميداني في معادلات القوة في جنوب دارفور.. القوات المسلحة تتحرك بتنسيق واسع مع زعامات أهلية فقدت ثقتها بالدعم السريع بعد خيانات مكررة ومجازر بشعة..وتصفيات تتم علي أساس عرقي..
ما يميز المشهد الآن هو أن المليشيا عملياً فقدت “الحاضنة القبلية التكتيكية” في مناطق واسعة من دارفور.. بينما يتصاعد حضور الدولة..

العودة الطوعية.. الدلالة السياسية للميدان الإنساني..

في هذا السياق.. لا يمكن فصل برنامج العودة الطوعية – الذي تشرف عليه منظومة الصناعات الدفاعية بقيادة الفريق أول مهندس ميرغني إدريس سليمان – عن المعركة الإستراتيجية..فعودة آلاف الأسر إلى مناطقها في كل أنحاء السودان تمثل إستعادة سياسية وأمنية ونفسية للعمق الإجتماعي للدولة الذي بدأت المليشيا تفقده من الداخل في ظل تصاعد لهجة جنودها وناشطيها بين يدي تشكيل حكومة صمود الذي وصفه كثير من قادتها في تسجيلات معلنة بالخيانة لدمائهم وتضحياتهم..

رابعاً/المشهد السياسي.. ملامح صلابة ..وتمدد..

رغم الضجيج المصاحب لمبادرات دولية وإقليمية متكررة لا يبدو أن الدولة السودانية في وارد القبول بأي صيغة تقايض وحدة البلاد بسيطرة أمراء الحرب.. القيادة التنفيذية الحالية برئاسة د. كامل إدريس تبدي تماسكاً لافتاً وتتصرف بثقة مطلقة في شرعيتها.. وترفض الإنجرار لصيغ المؤتمرات الخارجية فاقدة المضمون وتقود عملية إعادة بناء الدولة بثبات إنفعالي واضح ومتقدم لا يهادن ولا يتردد..

المؤتمرات الهشة والإرادة الوطنية..

فيما يلي المبادرات مثل إجتماع الآلية الرباعية أو ما يُطرح من كمبالا وغيرها من المنابر الداعمة للمليشيا وسلطة تأسيس المدعاة تبدو أقربى لـ”إعادة تدوير الفشل”.. إذ تراهن على قوى فقدت الشارع.. وتُدار بأجندات إقليمية تتضارب أحياناً مع بعضها ومع قواعد اللعبة الدولية والوطنية ..لكن الدولة الشرعية.. عبر خطاب رئيس الوزراء تؤكد على ثلاثة مبادئ أساسية:
لا حوار مع السلاح.. والجيش هو المؤسسة الوحيدة المخولة باستخدام القوة ..وأي عملية سياسية تبدأ من الداخل.. وتنتهي فيه..

مقاربة مقارنة.. النموذج السوداني مقابل النموذج الليبي..

بينما تقبل ليبيا منذ 2014 بمؤتمرات دولية تقسم السلطة بين مليشيات.. يصر السودان اليوم على بناء مسار سياسي وطني مستقل.. برغم الضغوط.. وهي نقطة فارقة قد تقيه لعنة الإنقسام الدائم.

اقتراب لحظة الحسم؟..

ما بدا قبل أشهر كحرب طويلة الأمد.. تتحول تدريجياً إلى صراع باتجاه الحسم.. الجيش يستعيد المبادرة على الأرض.. الدولة تُفعّل مؤسساتها.. برنامج العودة الطوعية يُعيد مدن الهامش إلى الخريطة.. والقيادة المركزية تُظهر تماسُكاً سياسياً غير مسبوق..

الأسابيع القادمة قد تشهد:

بداية عملية عسكرية برية كبرى في مناطق تواجد المليشيا..
تمدد الجيش في نيالا وزالنجي والفاشر.. حسم معركة كردفان الكبري..
مزيداً من الإنشقاقات داخل الدعم السريع..
لكن الأهم أن البلاد رغم الجراح.. تتجه بقوة نحو تثبيت منطق الدولة.. وأستعادة مركزيتها.. وهزيمة الفوضى المسلحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top