على كُلّ
محمد عبد القادر
لقاء سويسرا.. “لماذا الغَتغَتة والدَّسديس”
وطالما أنّ الفريق أول عبد الفتّاح البرهان يعلم محدّدات الشعب السوداني في الحوار والتفاوض لإنهاء الحرب، فليذهب إلى أيّ مكان شاء، المهم أن يفاوض بشروط الشعب السوداني الذي يرفض أيّ وجود لمليشيا الدعم السريع في السودان مستقبلاً.
الحوار لإنهاء الحرب، مع المليشيا أو كُفَلائها في الإمارات، ليس مَذمّة ولا منقصة، فقد فاوضت الحكومة الجنجويد في “جدّة” وهم يقتلون المواطنين وقتذاك، وينتهكون الأعراض، وينهبون البيوت والمؤسسات ويحتلّونها بوضع اليد والصلف والسلاح، جلست إلى المجرمين بوساطة إقليمية ودولية، والدماء ما زالت ساخنة، والشوارع تفيض بالجثث، والحرائر تُغتصَب، والمواطنون يغادرون القرى والمدن فَزِعين وهاربين، كان همّ الدولة بالتأكيد إيقاف الحرب، ولكن ليس على طريقة الاستسلام للأمر الواقع وإيجاد مكان للدعم السريع في قيادة البلاد، مثلما يحلم القَحَاتة والخونة والعملاء.
وطالما رفضت الحكومة وجود المليشيا في حياة السودانيين وهي في قمة سطوتها، والجيش يستعصم بمقارّه آنذاك، والتمرد في الخرطوم والجزيرة وسنار وكل دارفور وأنحاء واسعة من كردفان، فإنها أجدَر الآن بتنفيذ ذات الهدف بعد أن نفّذ جيشها نقاط “اتفاق جدّة” بنداً بنداً، وأخرج المتمردين من كلّ مكان دخلوه عنوةً واقتداراً… فعلامَ الجَلبة والوَجَل؟
لا أعتقد أنّ هناك من حظي بتأييد وتفويض من شعبه مثلما حدث ويحدث للبرهان، إلّا من فئة خائنة وعميلة عزلها الشعب، ودفنها في مقابر النسيان بعد أن باعت الوطن بدولارات الإمارات وذهب آل دقلو..ولا أظنّ أنّ البرهان، الذي يقود آمال الشعب في تحقيق عزته وكرامته، يغفل هذه الحقيقة، لذا فإنّ توجّهه إلى أيّ مكان للحوار ليس هو القضية، ولكن الأزمة – في تقديري – تكمن في “طريقة الغَتغَتة والدَّسديس” التي انتهجتها الحكومة في توجّهها إلى سويسرا للقاء مسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون الإفريقية والشرق أوسطية.
وحتى كتابة هذا المقال، لم يخرج أيّ مسؤول سوداني ليحدّثنا عن الخبر الذي استقاه الشعب السوداني من مصادر ووكالات الأخبار الأجنبية، وقد نقلت تفاصيل اجتماع سويسرا وما تضمّنه من أجندة ومداولات بشأن حراك أمريكي لإيقاف الحرب في السودان، بإدارة حوار مع الإمارات والمليشيا.
للأسف، غاب الصوت الرسمي والإعلام الوطني عن تفاصيل الحقيقة، وأصبح الفريق البرهان في خانة الاتهام، مع أنّه يخوض قضية دفاع عادلة عن مكتسبات وأمن الوطن والمواطن. وللأسف أسهم هذا التعتيم في خلق بلبلة تم استغلالها على أسوأ نحو، ووُضع وفدنا في “مربّع الخيانة”، وتم اتهامه بالسعي لإبرام اتفاق مريب وتسويات غامضة في وطن لا يقبل القسمة مع المليشيا ولن يخضع لشروط الإمارات.
قبل أيام، كان الكاتب الصديق محمد عثمان إبراهيم “مو”، ابن الشرق “محل الرئيس بنوم والطّيارة بتقوم”، ينشر المعلومة على صفحته في “فيسبوك”، ويبلغ الجناب العالي في العاصمة الإدارية أنّ “البلد ضَيِّقة”، بعد أن ذاع وتفشّى الأمر و”يا خبر الليلة بفلوس بكرة ببلاش”…
نعم، “أتى بكرة” الذي ظنّ المسؤولون أنّه لن يأتي، وجاءنا “منتج مو” المحلي عابراً للقارات والبحار، فلماذا أخفت الحكومة خبر توجّهها للقاء بهذا المستوى عن شعبها قبل أن يحدث، وتكتّمت على نتائجه بعد انتهاء الأمر، وما زالت تمارس الصمت المريب؟
حينما تلقّى الرئيس البرهان العام الماضي مهاتفة من رئيس الإمارات، حول التكتم والتباطؤ في نشر الخبر، كان البرهان “المُتَّصِل”، بعد أن جاءت المعلومة مستوردة كذلك من أبوظبي، التي اجتهدت في تصوير البرهان كـ”متصل” يستجدي الحلول ويطلب الغوث..القضية ليست في ذهاب البرهان للحوار، الأزمة الأعمق في التستر على مثل هذا الحراك في قضية لا تحتمل الغموض، وينبغي أن يكون كلّ ما يتعلّق بها تحت الضوء.
سعادة الفريق البرهان:فاوض من تشاء، ولكن بشروط الشعب السوداني، ولا تنسَ أن تُشركه في الحراك نحو الخطوات المصيرية، خاصة المرتبطة بالتفاوض مع مليشيا الدعم السريع المجرمة وكفيلتها الإمارات،في هذا الملف، لا يفلح حوار الغرف المغلقة، ولن تنجح محاولات التعتيم أو التسويات الغامضة، هذا الشعب يحرس قضيته جيداً، ولن يقبل بوجود المليشيا في حاضره ومستقبله مرة أخرى، ولن يخضع لشروط الإمارات.






