كبسولة وعي صباح المكي: وسقطت المؤامرة القيادة العامة… تحت النار.. 650 يوماً من الحصار والصمود حتى كُسر الانقلاب الإقليمي..

كبسولة وعي

صباح المكي:
وسقطت المؤامرة

القيادة العامة… تحت النار..

650 يوماً من الحصار والصمود حتى كُسر الانقلاب الإقليمي..

الحرب لم تكن صدفة، بل عملية مجهزة بعناية على مدى أشهر طويلة

ما جرى لم يكن تمرداً محلياً، بل غزواً منظماً تديره المرتزقة ويموله الخارج

صباح المكي
هنا، في قلب الخرطوم، حيث تدوي المدافع وتتعانق الأرض مع الدم، كانت القيادة العامة للقوات المسلحة هدف الانقلاب الإقليمي وميدان الملحمة الأطول في تاريخ السودان الحديث. 650 يوماً من الجوع والعطش، من الحصار والرصاص، من المؤامرات والدعايات المسمومة… لكنها كانت أيضاً 650 يوماً من الشرف والعزة، من الإيمان بالوطن، ومن اليقين بأن السودان لا يُباع ولا يُشترى. واجه جيش الأمة السودانية حصاراً خانقاً وهجمات متكررة، لكنه صمد حتى حوّل المؤامرة إلى هزيمة، والتهديد إلى نصر يُكتب بمداد التضحية.

هذا المقال يستند إلى التقرير الوثائقي الاستقصائي الذي بثّته قناة *TRT عربي بعنوان: “استقصائي | تحت الحصار: القيادة العامة”*، والمتاح على منصة “يوتيوب”.والذي قدّم بالصوت والصورة والشهادات الحية رواية موثقة لأحداث واحدة من أعقد وأطول المعارك في تاريخ السودان .في هذا المقال، نستعرض أبرز ما ورد في الوثائقي ونعقّب عليه، ليكون شهادة للتاريخ ودرساً للأجيال القادمة.

*رمزية القيادة العامة وأهميتها الاستراتيجية*
القيادة العامة ليست مبنىً عادياً أو ساحة عرض عسكري، بل هي قلب الجيش النابض وعقله المدبر، ومركز إدارة العمليات على المستويين التكتيكي والاستراتيجي. من يسيطر عليها يسيطر على قلب الدولة، ومن يسقطها يظن أنه أسقط السودان نفسه. موقعها الاستراتيجي يجعلها على بعد دقائق من القصر الجمهوري، وزارة الدفاع، مقر الاستخبارات العامة، الجسور الحيوية مثل جسر القوات المسلحة وجسر النيل الأزرق، والمطار الدولي. السيطرة عليها تعني عملياً حسم أي انقلاب أو معركة سياسية، ولهذا كانت على مر التاريخ نقطة الحسم لكل القادة العسكريين، من عبود ونميري إلى البشير.

*من شراكة هشة إلى ساعة المواجهة*

بعد سقوط نظام البشير عام 2019، تشكلت شراكة هشة بين قوى الحرية والتغيير والمكوّن العسكري ممثلاً في الفريق أول عبد الفتاح البرهان (قائد الجيش) و “حميدتي” (قائد الدعم السريع)، لكنها كانت شراكة على رمال متحركة. ظلّت الخلافات كامنة حتى جاء الاتفاق الإطاري في عام 2022 بوساطة دولية يظهر كخطوة نحو انتقال سياسي، ليكشف عمق الانقسام حول دمج قوات الدعم السريع في الجيش.

الجيش حدد مهلة عامين، بينما طالب حميدتي بعشر سنوات، فتفجّرت الشراكة إلى مواجهة مفتوحة، وشرعت مليشيا الدعم السريع المتمردة — المسنودة سياسياً من قوى الحرية والتغيير — في استعدادات واسعة ومخطط لها بعناية لحرب شاملة ضد المؤسسة العسكرية، استعدادات كشفت لاحقاً أنها كانت جزءاً من خطة انقلاب إقليمي مكتمل الأركان.

*انقلاب مُخطط مسبقاً – التحضيرات التي سبقت العاصفة*

الوثائقي كشف، بالدليل والصورة، أن الحرب لم تكن صدفة، بل عملية مجهزة بعناية على مدى أشهر طويلة. فقد سبقتها خطوات ممنهجة أوضحت أن المليشيا كانت تتحرك وفق خطة غزو شاملة:
• تموضع قوات الدعم السريع في مواقع سيادية وعسكرية حساسة، والسيطرة على الطرق والجسور الرئيسية، وحصار قاعدة مروي العسكرية.
• تضاعف أعداد المقاتلين من 20 ألفاً إلى أكثر من 120 ألف، بينهم مرتزقة أجانب.
• تحقيقات استقصائية مشتركة بين “لايت هاوس ريبورت” و”هآرتس” و”إنسايد ستوري” كشفت عن نقل معدات مراقبة وتجسس متطورة من إسرائيل إلى المليشيا عبر شركة “انتليكسا”.
• إنشاء شبكات اتصالات ومحطات تنصت خارج سيطرة الجيش، مرتبطة بدولة إقليمية (لم يتم ذكر الدولة في التقرير، ولكنها دويلة الشر، نظام المافيا في أبوظبي).
• تقارير ميدانية أكدت أنه، في ذروة المعارك، كان داخل الخرطوم ما يقارب 500000 من مقاتلي الدعم السريع، كثيرٌ منهم مرتزقة جُلبوا من خارج السودان.

وهنا تجدر الإشارة — خارج ما ورد في التقرير — إلى تصريح الفريق أول ركن ياسر العطا، الذي أكد أن العام الأول من الحرب شهد تدفق المرتزقة عبر الحدود السودانية بمعدل 9000 مقاتل أسبوعياً.
هذه الأرقام تكشف بوضوح أن ما جرى لم يكن تمرداً محلياً، بل غزواً منظماً تديره شبكات المرتزقة ويموله الخارج، ولتعزيز هذه الحقيقة، أوضح رئيس قوات التدخل السريع لشرق أفريقيا “إيساف”، عثمان عبد الله، في تغريدة على موقع “تويتر” بتاريخ 23 يوليو 2023، أن المخطط الذي جرى الإعداد له كان كفيلاً بإزالة الجيش السوداني من الوجود خلال مدة لا تتجاوز 72 ساعة. لكنه أشار إلى أن الاستراتيجية التي اتبعها الجيش — بدءاً من امتصاص الصدمة الأولى، ثم استنزاف القوات المهاجمة، وصولاً إلى إدارة حرب المدن باحترافية عالية — أربكت خطط المهاجمين، الذين لم يمتلكوا خطة بديلة نتيجة ثقتهم المفرطة في نجاح ما خططوا له

*15 أبريل 2023 : الشرارة الأولى*

بدأت المعركة بمحاصرة المليشيا لقوة عسكرية من الجيش قرب المدينة الرياضية، أعقبها إطلاق نار على ضابط وسائقه، ثم هجوم شامل على المواقع الاستراتيجية وفي القلب منها القيادة العامة. الهدف كان تصفية أو أسر الفريق أول البرهان، لكن الحرس الرئاسي تصدى للهجوم وأمّن انتقال القائد العام من بيت الضيافة إلى مكان آمن داخل المقر، لتبدأ ملحمة الحصار. وهو ما أكده صراحة المتمرد الهالك حميدتي في مداخلاته مع قنوات الجزيرة والعربية والحدث وسكاي نيوز عربية، باعتراف علني يكشف طبيعة المخطط وأهدافه. ويكشف التقرير كذلك عن فحوى محادثه بين خالد سلك وحميدتى يسأله فيها عن سبب تعجيل يوم الانقلاب عن موعده المخطط له وعدم سيرة وفق الخطة المرسومة. مما يؤكد أن هذة الحرب لم تكن وليدة اللحظه، بل مخططا لها مسبقا ومدعومة بقوى اقليميه.

*77 محاولة فاشلة وطوق من النار والشائعات*

فرضت المليشيا حصاراً خانقاً: إغلاق الطرق والجسور المؤدية للقيادة، نشر قناصة على المباني المحيطة، وتنفيذ ما يقرب من 77 هجوماً على المقر — جميعها فشل. التحصينات التي أُنشئت منذ عام 2019، ودور القوات الجوية والمدرعات، جعلت القيادة عصية على السقوط. في الخارج، اعتمدت المليشيا على حرب إعلامية، لكن ظهور الفريق أول البرهان المتكرر من داخل المقر بدد شائعاتهم وأثبت أن قلب الجيش ما زال نابضاً.

*24 أغسطس ٢٠٢٣: عملية كسر الطوق*

في عملية خاصة محكمة، شنّ الجيش هجمات تمويهية من عدة محاور، قبل أن يتم إخلاء الفريق أول البرهان بطائرة عسكرية من طراز “الصافات” إلى قاعدة وادي سيدنا، ومنها إلى الحتانة. كانت ضربة معنوية قاسية للمليشيا، أعادت ترتيب الحكومة المؤقتة في بورتسودان، وأطلقت جولة خارجية لكسب الدعم السياسي والعسكري.

ورسالتها (دي من عندي) إلى الجنجويد ومافيا أبوظبي: يا طير… المقرات ليست حجارة وأسواراً تحاصرونها، بل هي إرادة أمة. كل عيونكم، وكل جواسيسكم، وكل أموال نفطكم لم تمنع خروج الفريق أول البرهان وصحبه من الحصار. خرج رغماً عنكم، يا مافيا أبوظبي، “دقّ دخشومكم” وكسر غروركم على مرأى العالم، وأثبت أن من يملك العقول والخبرة والإرادة، يكتب النصر بإذن الله حتى وأنتم تحسبون أنكم تحاصرونه. (ضباط كلية عسكرية ما ضباط خلا).

واليوم، وأنتم تلعقون هزيمتكم، تذكروا جيداً: هذا كان القائد البرهان، فكيف سيكون المشهد حين ينتصر السودان كله، إن شاء الله؟ فلمثل هذا اليوم استعدوا… بلوا رأسكم، فإن ساعة الحساب آتية لا ريب فيها.

*التحول إلى الهجوم*

بدعم من حلفاء واصدقاء السودان وإرادة فولاذية، بدأ الجيش قلب المعادلة. خاض معارك كبرى في أم درمان وجبل مويه، وحرر ولاية الجزيرة. وفي داخل القيادة المحاصرة، أظهرت القوات منظومة إمداد داخلية فعّالة سمحت بالصمود رغم قلة الموارد.

*24 يناير 2025 : ساعة النصر*

بعد 650 يوماً من الحصار، شنّ الجيش هجوماً شاملاً لتحرير القيادة العامة، بمشاركة جهاز المخابرات العامة، والقوة المشتركة، وسلاح المهندسين. تم تحرير مباني الإذاعة والتلفزيون، والجسور الاستراتيجية، والقصر الجمهوري، إلى جانب مناطق في الجزيرة، وسنار، وجبال مويه.
قدّم الجيش في معركة تحرير القيادة العامة أكثر من 2000 شهيد من ضباطه وجنوده، إضافة إلى مئات الجرحى. تضررت مباني القيادة، لكن الرسالة كانت حاسمة: الجيش في طريقه لحسم المعركة في الخرطوم وكل المدن التي دنستها المليشيا، وصولاً إلى الجنينة وأم دافوق.

*أهمية الانتصار وما بعده*

لم تنته الحرب بعد، لكن هذا الانتصار غيّر مسارها، وقطع — كما قطعت جهيزة قول كل خطيب — كل جدل حول التسويات السياسية أو المفاوضات أو التنازلات. لقد نسف الانتصار محاولات تصوير الجيش، كمؤسسة عسكرية، على أنه باع القضية أو تخلّى عن واجبه. وأثبت الجيش السوداني، بالفعل لا بالقول، أن قدرته على القتال والدفاع عن الوطن ثابتة لا تهتز، وأن فكرة استسلامه مجرد وهم في عقول أعدائه. أعاد الانتصار الثقة بين الجيش والشعب، وأكد أن الحصار، مهما طال، لا يكسر إرادة من يعرف معنى الشرف العسكري. ستظل هذه المعركة علامة فارقة في التاريخ العسكري السوداني، ودليلاً على أن الإرادة الوطنية قادرة على قلب موازين الحروب.

*الإعلام جبهة لا تقل أهمية*

وختاماً، إن ما وثّقه هذا التحقيق ليس مجرد مادة إعلامية، بل شهادة للتاريخ ووثيقة شرف وطني يجب أن تصل إلى كل بيت سوداني، وأن تجوب العالم بكل اللغات الحية التي يفهمها. هذه ليست قصة حصار فحسب، بل ملحمة صمود جيش الأمة السودانية الذي قدّم آلاف الشهداء من الضباط والجنود والمستنفرين والقوات المشتركة، وحتى المواطنين، أرواحهم الطاهرة ثمناً لبقاء السودان حرّاً شامخاً.

واعلموا يا مافيا أبوظبي وأذنابكم: الجيش والشعب عازمان على ألّا يبقى لهذه المليشيا وأعوانها، ومن شايعهم وهادنهم، أي أثر على تراب السودان. النصر لن يكتمل إلّا باقتلاعكم من الجذور، وسحق غروركم تحت أقدام جنودنا، حتى يكون دم الشهداء آخر ما يمرّ في ذاكرتكم قبل أن تذهبوا جميعكم إلى الجحيم.

ومن قلب شعب يعرف معنى التضحية، نتوجه بسؤال مباشر إلى وزارة الإعلام: لماذا لا نشاهد مثل هذه التقارير على شاشة التلفزيون القومي وفي منصات الإعلام الوطني؟ أليس لدينا الكوادر المحترفة، والكُتّاب القادرون على صياغة السردية الوطنية بصدق وقوة؟ أم نفتقر إلى الرؤية والإرادة التي تجعل من الإعلام سلاحاً موازياً للبندقية، يواجه الأكاذيب، ويفضح المؤامرات، ويكشف للعالم حجم هذه الحرب المميتة التي تُشن على السودان بدعم إقليمي ودولي؟

الخطب لا تكفي. الصورة هي المعركة. والإعلام جبهة من جبهات الحرب، فإن لم نخضها نحن، سيملأ العدو فراغها بروايته المسمومة. فمتى نرى إعلامنا الوطني يقاتل كما يقاتل جنودنا، كلمةً بكلمة، وصورةً بصورة، حتى النصر؟ ومتى يصبح إعلامنا الرسمي المنصةَ الأساسية التي تؤرّخ وتوثّق الأحداث كما هي، لا كما يريد العالم أن يزيفها ويعبث بتاريخنا وسرديتنا للأجيال القادمة؟

#بل_بس
#القوات_المسلحة_السودانية_تمثلني
bitalmakki@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top