إحالة قائد سلاح المدرعات للتقاعد تشعل التايم لاين السوداني..
نصر الدين عبد الفتاح .. أسد الدروع و”الجنزير التقيل”
الكرامة:رحمة عبدالمنعم
من الدفعة 36 إلى قيادة سلاح المدرعات.. مسيرة ضابط متفرد
“تحرير الخرطوم سيبدأ من المدرعات”.. نبوءة نصر الدين تتحقق
مزمل أبو القاسم: نصر الدين أسطورة للصمود والشجاعة والثبات
محمد عبد القادر: ترجل بعد مسيرة حافلة بالفراسة والشجاعة والتضحيات
محمد حامد جمعة: قرارات الإحالة والتقاعد طبيعية لكنها ترسم اتجاهات السياسة
داليا الياس: نصر الدين درع المدرعات الحصين ورمز التضحية والفداء
ظهور بارز في أيام الحرب.. خطابات صاغت وجدان الجنود وأمّة بأكملها
الكرامة : رحمة عبدالمنعم
شهدت الساحة السودانية أمس تفاعلاً واسعاً مع قرار ترقية اللواء ركن د. نصر الدين عبد الفتاح محمد سليم إلى رتبة الفريق، وإحالته للتقاعد وفق الإجراءات العسكرية المتبعة، ورغم أن مثل هذه القرارات من طبيعة المؤسسة العسكرية، إلا أن صدى هذه الخطوة تجاوز حدود المؤسسة، ليشعل منصات التواصل الاجتماعي ويثير نقاشاً عاماً امتزج فيه الفخر بالاعتزاز، والحسرة على وداع أحد أبرز قادة الجيش الذين ارتبطت أسماؤهم بملحمة الصمود في وجه مليشيا الدعم السريع خلال حرب الخامس عشر من أبريل.
سيرة ومسيرة
الفريق نصر الدين عبدالفتاح من ضباط المدرعات الذين يوصفون بـ”الطراز المتفرد”، تخرج في الدفعة (36) من الكلية الحربية السودانية في أواخر الثمانينيات، قبيل انقلاب الإنقاذ عام 1989، تنقل في مختلف أقاليم السودان، وعمل معلمًا في معهد المدرعات، ثم في كلية القيادة، وموجهاً بأكاديمية نميري العسكرية العليا، قبل أن يتلقى تأهيلاً متقدماً في الدروع داخل وخارج السودان،
قاد معهد المدرعات، والفرقة (18) مشاة، ثم تولى قيادة سلاح المدرعات، واشتهر بين رفاقه بالانضباط الصارم والالتزام المهني البالغ، حتى وصفه بعض معاصريه بأنه يميل أحياناً إلى “لزوم ما لا يلزم” في الحرص على القواعد والأنظمة العسكرية، لكنه بذلك أسس لنموذج من الضباط الملتزمين بالتقاليد والسمت العسكري الرصين.
ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، كان نصر الدين في صدارة المشهد ،ظهر صباح 17 أبريل في المدرعات مخاطباً جنوده ومؤكداً على حقانية معركة الجيش في الدفاع عن الوطن والمواطنين، تكررت إطلالاته في محطات فارقة؛ في 18 يوليو، ثم في 17 أكتوبر حين تحدث من جامع المدرعات مشدداً على أن علاقات السودان الخارجية ينبغي أن تُبنى على المصالح المشتركة لا على العواطف والشعارات، ومندداً بخذلان بعض الدول التي قال إن السودانيين ساهموا في نهضتها ولم يجنوا منها سوى العدوان.
وفي 19 نوفمبر، خرج بخطاب حمل نبوءة تحققت: حين أكد أن “تحرير الخرطوم سيبدأ من المدرعات”، وهو ما أثبتته الأيام لاحقاً مع دحر الجيش للمليشيا وإعادة السيطرة على العاصمة.
الدرع الحصين
ولم يكن تفاعل السودانيين مع قرار إحالته للتقاعد وليد الصدفة، فقد صار نصر الدين رمزاً من رموز المقاومة الوطنية، الصحفي مزمل أبو القاسم كتب عنه قائلاً:لا نبكي على خبر إحالة الضابط العظيم.. الركن الركين والدرع الحصين.. سعادة الفريق الركن الدكتور نصر الدين عبد الفتاح إلى التقاعد، بل نهنيه ونشد على يديه، فمثله لا يتقاعد.. سبق أن عاد من المعاش في أحلك ظرفٍ وأصعب مهمة، وقاتل قتال الأبطال دفاعاً عن وطنه، حتى تحول إلى أسطورة للصمود والشجاعة والثبات والفداء.
أما رئيس تحرير صحيفة الكرامة محمد عبد القادر، فقد وصفه بأنه فارس ترجل بعد مسيرة حافلة بالفراسة والشجاعةوالتضحيات”، مؤكداً أن السودان سيحفظ صنيعه، وأنه “واحد من قادة الجيش السوداني الأفذاذ الذين كتبوا للتاريخ كتاب الفداء.”
الصحفي محمد حامد جمعة وضع قراره في سياق أوسع، مشيراً إلى أن مثل هذه الإحالات والترقيات والنقل “أمور طبيعية في الجيوش”، لكنها تظل قادرة على تشكيل اتجاهات السياسة والعام، كما حدث في تجارب مصر وإثيوبيا والجزائر، لافتاً إلى أن قرار إحالة نصر الدين لا ينتقص من بصمته في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان.
الشاعرة والصحفية داليا الياس بدورها، خاطبته بلسان الوفاء، قائلة:”نصر الدين درع المدرعات الحصين.. هذا أقل ما سيذكره التاريخ عنكم، كنتم أبطالاً في رواية الكرامة المجيدة، كتبتم أسماءكم بأحرف من تضحية وإيثار وفداء، وترجلتم فرساناً وراية الوطن بأيديكم.”
أيقونة الصمود
ولم يكن الفريق نصر الدين مجرد قائد عسكري عابر، بل تحوّل إلى أيقونة للصمود وسط واحدة من أقسى المعارك في تاريخ السودان الحديث. عند المدرعات، وحيث كانت القلوب وجلة والأبصار زائغة، حمل الرجل اللواء وأثبت أن القوات المسلحة السودانية لا تعرف الانكسار.
وإذا كان القرار الأخير قد وضعه خارج الخدمة النظامية، فإن مكانته في الذاكرة الجمعية للسودانيين تبقى حاضرة، كـ”أسد الدروع” و”الجنزير التقيل” الذي ربط اسمه بالنصر، حتى قيل إن “النصر والدين صنوان لا يفترقان.”
وقد ترجل الفارس، لكن أثره باقٍ، فالتاريخ لا يقاس بالمناصب ولا بالرُتب، بل بمواقف الرجال في ساعات العسرة،والفريق نصر الدين عبد الفتاح سيظل أحد أعمدة ملحمة الكرامة التي سطر فيها الجيش بدمائه وتضحياته صفحة من أنصع صفحات البطولة، صفحةً سيقرؤها الأجيال القادمة ويجدون فيها اسم هذا القائد محفوراً في جدار الوطن.






