هناك فرق مني أبوزيد  حد الزين..!

هناك فرق

مني أبوزيد

حد الزين..!

*”تواريخ الأوطان ليست في الكتب فقط، بل تُستقى أيضاً من سير أبنائها البررة وأعلامها الراسخين”.. الكاتبة..!*

 

الاستماع إلى البروفيسور زين العابدين عبد الرحيم كرار، في حلقة بودكاست الوطنية ، كان يشبه الدخول إلى متحف مفتوح على خمسة عقود من تاريخ السودان. لم يكن مجرد ضيف أكاديمي يتحدث عن مسيرته المهنية، بل كان شاهداً يروي – بصوت هادئ وذاكرة متوقدة – رحلة وطن تتقاطع فيها ظلال السياسة والاقتصاد والثقافة والاجتماع…!

 

وقد بدأ وكأنه يقرأ من كتاب غير مكتوب عن بلادٍ تعبت من المخاض ولم تولد بعد. جذوره في قرية المقل – منبع صوفي غارق في الروحانية – لم تكن مجرد تفاصيل شخصية، بل كانت تمثل ذلك التوازن السوداني العجيب بين الأرض والسماء، بين الرزق والبركة، بين التعليم كأداة للارتقاء، والتصوف كجسرٍ نحو السكينة..!

 

والده، الضابط البارز في الشرطة، جسّد جانب الانضباط والمسؤولية، بينما كانت والدته، وهي تنتقل مع الأسرة من مدينة إلى أخرى، عنواناً لقدرة السودانيين الدائمة على التكيف مع تبدّل الأمكنة والأحوال. تلك الثنائية – الانضباط والمرونة – ليست مجرد ملامح أسرة بعينها، بل هي صورة مصغرة لمجتمع بأكمله..!

 

 

حين يتحدث بروف الزبن كرار عن التعليم لا يكتفي بموقعه كأستاذ جامعي، بل يراه بوصفه حصناً أخيراً أمام الانهيار الشامل، في بلدٍ عصفت به الانقلابات، وجرفته الشعارات السياسية، وداهمته الحروب والأزمات الاقتصادية، ظل التعليم آخر أمل متاح لصناعة مواطن صالح ووطن يصلح للحياة..!

 

 

حديثه عن الاقتصاد والسياسة جاء عابراً وغير مباشر، لكنه عميق الدلالة. من الستينيات التي شهد فيها السودان بدايات التوسع التعليمي والتنمية الاقتصادية، إلى زمن الحرب الذي حوّل الوطن إلى مسرح للشتات والانكسارات، ظل البروفيسور كرار حاملاً لأمانة المعلم. وظل شاهداً على تحول الجامعة من فضاءٍ للحلم والتنوير، إلى ساحة للصراع الأيديولوجي والتناحر السياسي. ومع ذلك، لم ينقطع خيط الأمل من صوته أبداً..!

 

وهو في تلك الحلقة لم يقدّم نفسه كبطلٍ فردي، بل كجزء من نسيج اجتماعي وثقافي ممتد. كان يتحدث عن ذاته وهو يعيد رسم صورة وطنٍ يتنقل أبناؤه بين الريف والمدينة، بين العلم والسلطة، بين الحلم والخذلان..!

 

 

من بين السطور، كان المستمع يلمح سؤالاً أكبر، كيف لبلدٍ أن ينجو إذا انقطعت صلته بالمعرفة، وكيف يمكن للأمة أن تكتب تاريخها إذا لم تحتفظ بمثل هذه السير التي تحمل وجعها وكرامتها معاً..!

 

 

وهو يتحدث عن مسيرته كان يفتح نافذة على وعي جمعي ظل يقاوم الفوضى بالعلم، ويقاوم الانكسار بالذاكرة. كان صوته – في عمقه وهدوئه – بمثابة أهزوجة ملهمة لأمةٍ تتأرجح بين الماضي والحاضر، بين الممكن المستحيل..!

 

 

لذا فإن سيرته لا تهم الأكاديميين وحدهم، ولا تخص طلابه أو جامعته فقط، بل هي جزء من أرشيفنا الوطني. وعندما نتأملها، فإننا في الحقيقة نقرأ في مرآة أنفسنا. فالتاريخ – كما قال ابن خلدون – هو خبر عن الاجتماع الإنساني. وأمثال البروفيسور الزين كرار هم الذين يجعلون ذلك الخبر أصدق وأبقى!.

 

munaabuzaid2@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top