حاجب الدهشة
علم الدين عمر
علي مهدي ..وللكلمات أحلامها..
علي مهدي نوري..هذا الرجل العجيب.. الفنان والمسرحي..الدبلوماسي ورجل المجتمع.. الصوفي والإنسان القريب.. الذي جمع في شخصيته بين الأناقة واللطف والصلابة.. النموذج الأمثل للدبلوماسية الشعبية السودانية..عرفته منذ سنوات كنجم بعيد في سماوات الإبداع والتميز..وأقتربت منه في فترة ذهبية زاهية من عمري ..في القاهرة..حين كان إتحاد الفنانين العرب يضم عمالقة الفن العربي.. أُنتُخب أميناً عاماً لدوراته المتعاقبة..كأول وآخر سوداني يشغل هذا المنصب.
لاحقاً أصبح سفير اليونسكو للسلام.. ثم الأمين العام التاريخي للهيئة الدولية للمسرح.. ورئيس مجلس المهن الفنية ..جاعلاً من الإبداع مهنة تكتب في الجواز.. متحولاً إلى واحد من أبرز الأصوات في المنظمات الثقافية العالمية..ما ميز علي مهدي ليس المنصب بل شخصيته التي تجمع بين سعة القلب ورصانة الموقف.. عمامته الخضراء.. شاربه المميز.. إبتسامته الوضيئة وحنوه الإنساني..كلها جعلته محبوباً في الأوساط الدولية كما في المجتمع السوداني..يجلس مع كبار المسؤولين بالإحترام نفسه الذي يجلس به مع طلاب المسرح..وعامة الناس في الشوارع والأسواق وبراحات الحياة..يخاطب العالم بمرونة الفنان وصلابة الوطني وصدق المتصوف..شهدت قيامه علي جمع الناس يوم تفرقت بهم سبل السياسة في منزله (الوسيع) بالمحبة يوم أنزلقت البلاد..وثق فيه الجميع..في قوميته ووطنيته ومحبته..وتجرده..فأجتمعوا بطلب من سفارات مؤثرة في المشهد يومها..كنت معه ..تلميذ أو حوار أتعلم ..وأوثق..
اليوم يتصدى السفير علي مهدي لمهمة جديدة بالغة الأهمية.. متابعة ملف الآثار السودانية المنهوبة التي جرى تهريبها عبر المليشيات وداعميها.. معركة لا تهدف لأستعادة الحجر..بل تبحث عن الهوية والذاكرة الممتدة لآلاف السنين..الحاجة تبدو ملحة لأن تمنحه الدولة غطاءً رسمياً وقانونياً..ليواصل عمله بخبرته وعلاقاته الواسعة في أروقة المنظمات الدولية.. حيث يحظى بأحترام نادر وموثوق..تجربة علي مهدي تجسد قيمة الدبلوماسية الشعبية، التي تتجاوز البروتوكولات لصدق الكلمة ودفء العلاقة.. وقد أثبت أن الفن قادر أن يكون جواز سفر للسودان..وأن حضوراً إنسانياً مثل حضوره يمكن أن يفتح الأبواب المغلقة ويعيد الإعتبار لوجه السودان الحضاري.
كتبت يوماً مقالاً عن صديقي محمد عبدالقادر.. رئيس تحرير صحيفة الكرامة.. كتب السفير معلقاً: “الحبيب علم الجميل..ما تكتب الآن أحوج ما نكون إليه في هذه الأوقات.. لغة الود الطيبة هذه تعزز جسور التواصل في أوقات الإنهيار الكبير.. ود الناظر والأسرة الكريمة مرجع الود الذي نعرف ونمشي به معكم.. تحياتي.. وعند عودتي نجدد اللقاءات الممكنة بحضورك البهي..سلمت ودام حرفك مع صبرك.”
إختصرت هذه الكلمات روح الرجل.. يرى في أدب الإخوانيات قيمة إنسانية.. وفي الإحتفاء بالناس واجب لا يقل أهمية عن أي منصب..
إن علي مهدي ليس مجرد إسم في سجلات الناس والأحداث هو رمز لرجل يشبه السودان.. متنوع.. أصيل.. صبور.. ومفعم بالأمل رغم الجراح..في حضوره نتذكر أن لهذا الوطن وجه آخر غير الخراب.. وجه يبتسم ويصمد ويحتفي بالناس.
ولذلك فإن الدولة يمكنها اليوم أكثر من أي وقت مضى..أن تُحسن الإفادة من هذه التجربة الكبيرة.. ومن علاقاته الدولية الممتدة والمتقاطعة.. لصالح برنامج إعادة بناء الدولة والمجتمع.. فهذا هو الإستثمار الحقيقي في رأس المال الرمزي والإنساني للسودان..






