خارج النص
يوسف عبدالمنان
حرب كردفان
نعم، هي حرب السودان في أرض كردفان. بعد هزيمة المليشيا في محاور الجزيرة والخرطوم وبحر أبيض، أيقن العقل الذي يدير الحرب أن حواضن الدعم السريع، المغلوبة على أمرها في كثير من الأحيان، كانت بمنأى عن الموت وخراب الديار وهلاك الحرث والنسل، لذلك اختارت أرض كردفان لخوض معركتها قبل الأخيرة، ونقلت المليشيا كل ثقلها العسكري وعتادها إلى كردفان أولاً لتحقيق هدفين:
الأول: منع تقدّم متحركات الصياد ومتحركات القوات المشتركة المتجهة نحو الفاشر وبابونُسة ونيالا.
والثاني: أن تصبح أرض المعركة بعيدة عن الضعين والفولة ونيالا والدبيبات.
وضعت المليشيا أهدافها في منع تقدّم الجيش والقيام بعمليات اعتراضية ومناوشات حول مدينة الأبيض، وقاتلت باندفاع واستماتة للحيلولة دون فتح طريق دلنج–الأبيض. فإذا حدث فتح هذا الطريق، ستنشأ ثغرة كبيرة في جدار الصد، وتتقدّم القوات غرباً باتجاه الفولة وتلتقي بقوة كبيرة من الجيش في هجليج. استخدمت المليشيا أسلوب الصبر والاستنزاف للموارد البشرية والمادية، ورغم وجود خطوط إمداد مفتوحة من نيالا وعبر الصحراء، ظلّ الصبر والثبات والفرّ والكرّ سمة غالبة في حرب كردفان.
حتى جاءت زيارة الفريق شمس الدين كباشي لتدخل المنطقة في منعرج جديد؛ انتقلت الروح من الإحباط الذي واجه التمرد، وتم تحرير بارا — وهي نقطة مفصلية في حرب كردفان.
التاريخ يستلهم الدروس والعبر، وإذا كانت بارا قد كانت مفتاح تحرير الأبيض في عهد المهدية، فهي اليوم البوابة التي شرّعت أبواب انتصار نراه قريباً بحسابات الواقع.
المليشيا لن تقرّ بسهولة بهزيمتها بعد معركتي الجمعة والسبت؛ فهي تمضي الآن في حشد بقايا جيشها المنهزم في أم صميمة وتستحضر أرواح قادتها من الرزيقات، حتى أصبحت شخصيات مثل السافنا (المجرم) بمثابة نافح الروح في المليشيا.
ومع ذلك، فإن معركة دار حمر المرتقبة قد تُعيد إلى الذاكرة موقعة الجيلي والصالحة؛ وفي المقابل، فإن عملية أبوزبد اليتيمة، التي جرت أمس الأول، قد كسرت أنف الإدارة الأهلية التي كانت تُحشِّد المقاتلين لمعركةٍ حدَّد لها التمرد الدبيبات كمسرح أخير، بينما حدَّد المتمرد غرب النوير مدينة دلنج كمعركة بديلة للدبيبات.
يبقى السؤال: هل القوات المسلحة هي من يُنقاد حيث يريد العدو خوض معركته، أم أن الجيش هو من يقود المليشيا إلى حيث حتفها المنتظر في الأيام القادمة؟ الغيوم قد ترعد من غير برق لبداية نهاية مشروع آل دقلو في كردفان، ومن ثم المعركة الأخيرة لتحرير السودان ودارفور من بقايا أمرض السودان القديم.






