وجدي الكردي يكتب
مات الزين.. مات “الحنين”..
▪️”حين يموت شيخٌ في القرية، يهتز المكان هزة خفيفة لا يسمعها إلا من يعرف سر الأرض!
النساء يندُبن، والرجال يطأطئون رؤوسهم، لكن أحداً لا يرى الموت مصيبة.. يرونه انتقالاً إلى مقام أنقى، مقام طالما ظل الشيخ قريباً منه وهو حيّ. وكأن الموت باب يفتح لمن يستحق الطمأنينة”.
▪️فجعني الدكتور عبد العظيم عوض قبل قليل، بأنه عاد لتوّه مغموماً ومُعفّراً بغبار مقابر أسوان التي وارى في ثراها أستاذنا حسن محمد زين.
▪️يا إلهي..
أحقاً مات حسن، “بهدوء”؟
أحقاً رحل “الزين” المبروك بأسراره العظيمة، مثل “حنين” الطيب صالح؟
▪️قبل احترافي الصحافة كنت – وما زلت – شغوفاً بزاويته اليومية: “بهدوء”. كان يضع على ترويستها صورة جانبية ناصعة، تجلّلها ابتسامة لا تستثني في سخائها أحداً. ابتسامة يغمر ضوعُ عطرها المقال كله، بل الصحيفة بأسرها، فلا تطويها إلا وقد مسحت ما سال على جانبي عينيك من بشاشة.
▪️يغسل الزين حروفه جيداً “بهدوء”، ثم يرجّها رجّاً قبل الاستعمال، كأنه يمزج بها وصفةً طبية فيها شفاءٌ للقراء والناس كافة.
▪️عند انتقالي إلى (مؤسسة الرأي العام للصحافة) ، في رحلة البحث الأبدية عن إجابة سؤال: “يا ترى، ماذا أصير عندما أغدو كبيراً؟”.. استقبلني الزين السمح والحنين، بالابتسامة ذاتها المطبوعة على ترويسة مقاله، باللسان والفؤاد نفسيهما، بصورة اللحم والدم ذاتها.
▪️كان الزين الحنين يومها، ركناً من أركان القسم السياسي الذي زانه وقاده الألمعي ضياء الدين بلال، وفاقَ بملحق “السبت السياسي”.. سياسةَ الجرايد والحكومة كلها.. توزيعاً وتأثيراً وجدلاً.
▪️زاملت الزين ولم أغادر في مقامه مقعد التلميذ قط، ولن.. حتى غادر (الرأي العام) بهدوء، منتقلاً إلى رحاب أخرى. ومن رحابٍ إلى رحاب، حتى اختار الله له رحاب مقابر أسوان في النوبة السفلى. في طريقه إلى الجنة بإذن الله، مستقراً ومقاماً.
▪️يا للحسرة..
ضاق بالزين الحنين، سافلُ السودان وصعيدُه حياً وميتاً بفعل لصوص وأسافل العصر الدقلاوي، خسف الله بهم أسفل سافلين.
▪️”يموت الرجال، لكن رائحتهم تبقى في البيوت، وتظلّ حكاياتهم معلّقة في الهواء، كأن الحياة لا تقوى على المضيّ دون أن تحمل على كتفيها ظلال الراحلين”.
▪️”وأنت يا الزين، في مقامٍ أنقى، سأظل أحمل ذكراك على كتفي ورأسي. وأثق أنك ستجلس كعادتك: مبتسماً، و.. بهدوء.”






