هناك فرق مني أبوزيد التعويل على الآخر..!

هناك فرق
مني أبوزيد
التعويل على الآخر..!

*”نحن لا نُفرط في التعويل على الآخرين لأنهم أقوياء، بل لأننا خائفون، والخائف يبحث عن كتف لا عن حل”.. الكاتبة..!*

من كوارث هذه الحرب أنها لم تكتفِ بتعرية البيوت بل عرَّت القلوب أيضاً وجعلتنا نكتشف أن جملاً دافئة على غرار “الناس بالناس” كانت مجازاً جميلًا لا عقداً ملزماً، وأن الطيبة وحدها لا تكفي لصنع ملاذات آمنة، وأن العشم الإنساني حين يُطلق من عقاله يتحول إلى لون من ألوان العنف العاطفي..!

في البدء كنا نظن أن الخير الذي يملأ النفوس يكفي لصنع قوارب نجاة جماعية، ثم اكتشفنا الخذلان، ليس في صورة خيانة عظمى، بل على هيئة رسالة لم تُرد، أو رقم هاتف صار مشغولًا على الدوام، أو يدٍ مرتجفة عجزت عن طرق بابٍ اعتادت أن تفتحه دون تردد..!

لكن من قال إن كل خذلان جريمة، ومن قال إن كل من خذلنا كان قادراً على ألا يفعل؟. كنت أفكر في حكايات التعويل على الآخر وصور الخذلان في هذه الحرب وأنا أستعيد بعض أحداث رواية “حذار من الشفقة” لستيفان زفايغ، إذ كيف يمكن للنية الطيبة حين تُحمّل أكثر من طاقتها أن تتحول إلى مأساة، وكيف يمكن للشفقة أن تقتل، وكيف يمكن لفرط الرجاء في الآخر أن يفسد علينا نقاء الشعور..!

بطل الرواية لم يكذب لكنه لم يقدر على حمل العشم الذي أسنده إليه الآخرون، وكان يريد أن يساعد لكنه لا يعرف كيف، تماماً مثل أولئك الذين لحأوا إلى آخرين وهم ينزحون خفافاً من بيوتهم، فخذلوهم، أو هكذا حسبوا، لأنهم لم يروا ما كان أولئك الآخرين يحملونه على ظهورهم من أعباءهم الخاصة..!

الخذلان في زمن الحرب لا يشبه خذلان العشاق، لأ لا يأتي مبرحاً، ولا تسبقه دموع، إنه خذلان صامت، خجول، ناعم كالماء لكنه جارح السكاكين، يتركك تتساءل، هل أنا من أثقلت أم هو من تخلى، هل كنت أحتاجه حقاً أم كنت أبحث عن وتد أعلق عليه رعبي. من القادم المجهول..!

في الحقيقة كل عشم هو حكاية سوء تفاهم على وجهٍ ما، لا نعوّل على الآخر لأنه قوي بل لأننا ضعفاء، وقد جعلتنا هذه الحرب نفهم متأخراً أن الحب لا يعني أن يحملنا الآخرون دائماً، وأن بعض الأبواب المغلقة كانت تستر انهيارات لم نفطن إليها في حياة الآخرين ..!

لذلك لا ينبغي أن تُروى كل حكايات التقصير على أنها خذلان، ولا أن تكتب كل مواقف الغياب وكأنها مهارب لخائفين. أحيانا يكون التخلّي عاطفة مُقنّعة، والابتعاد شكل من أشكال الاعتذار، والصمت محاولة لصون كرامة كانت ستُسحق لو انكشفت الحقيقة ..!

كلما طال أمد هذه الحرب كلما أدركنا أن التعويل على الآخر هو محاولة بدائية لتجنّب الوحدة، وأن النجاة ليست في الاتكاء، بل في النهوض، وفي أن نتحول نحن إلى ذلك الآخر الذي كنا نعول عليه..!

ربما في نهاية هذا الخراب الطويل لا نخرج أنقى ولا أقوى فقط، بل أهدأ قليلا. أهدأ لأننا قد أدركنا أن أكثر أشكال الحب صدقاً هو الذي لا يُراهن على الخلاص المشترك، بل يكتفي كل من عجز عن حملك بالمشي إلى جوارك حتى تتعلم المشي وحدك..!

علنا نخرج من كل هذا الخراب بعشم أكثر ليناً وتوقّعات أكثر مرونة، ومشاعر أقل ضجيجاً وانطباعات أقل حدة، وتحليلات أكثر حكمة وتسامحاً مع أخطاء الآخر الذي كان بدوره أيضاً يكابد قسوة ذات الحال ويحاول أن ينجو!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Scroll to Top