هناك فرق
مني أبوزيد
من معارك السرديات إلى كتابة المستقبل..!
*”الفلسفة أعمق من الأدب لأنها تدرك أن الأدب أعمق منها”.. نيتشة..!*
الصراع في الحروب لا يكون على السلطة والثروة فحسب، بل على المعنى أيضاً. فالرصاص قد يحسم معركة، لكن السردية الغالبة وحدها هي التي تحسم ما سيكتبه التاريخ، ومن سيُدان، ومن سيُنسى، ومن سيُعاد إنتاجه كرمز أو كجريمة مؤجلة. ومنذ أن عرف الإنسان الحرب، عرف معها التوثيق بوصفه سلاحاً موازياً، يُستخدم أحياناً لكشف الحقيقة، وأحياناً أخرى لإخفائها، أو لإعادة صياغتها بما يخدم المنتصر. بين نقشٍ على جدار، وروايةٍ يكتبها الطرف الأقوى، وصورةٍ تلتقطها كاميرا مرتجفة، تتشكل الذاكرة الجماعية، ليس بوصفها سجلاً محايداً، بل كساحة صراع مفتوحة لتدافع الروايات..!
في السنوات الأخيرة، لم يعد الجدل حول التوثيق مقتصراً على الحروب الدائرة أو الجرائم الجارية، بل امتد ليطال الماضي نفسه، بوصفه ساحة صراع مفتوحة على إعادة السرد، وإعادة التقييم، وإعادة بناء الذاكرة. ولعل الجدل الذي أثارته أطروحة الدكتور يوسف زيدان حول شخصية صلاح الدين الأيوبي يقدم مثالًا كاشفاً على كيف يمكن للتوثيق، حين يُنتقى ويُعاد تأطيره، أن يتحول من أداة فهم تاريخي إلى أداة تفكيك رمزي، وربما صدمة ثقافية..!
لم يتعامل يوسف زيدان مع صلاح الدين بوصفه الرمز التحريري المتماسك الذي استقر في الذاكرة الشعبية العربية، بل قدمه كسياسي براغماتي، استخدم الدين لتثبيت حكمه، وقمع خصومه، وأدار صراعاته بمنطق السلطة وليس بمنطق البطولة الأخلاقية الخالصة. واستند في ذلك إلى روايات تاريخية قديمة، بعضها إسلامي وبعضها صليبي، وإلى فكرة مركزية مفادها أن التاريخ الرسمي كثيراً ما يُكتب من موقع المنتصر، فيُبرز أمجاده، ويصمت عن ضحاياه..!
والإشكال هنا لا يكمن في طرح الأسئلة، ولا في إعادة قراءة الشخصيات التاريخية خارج قوالب التقديس، بل في طبيعة التوثيق الذي يُستدعى، وفي الطريقة التي يُنتقى بها. فالتاريخ، حين يُقرأ عبر شذرات معزولة، أو عبر مصادر جزئية منزوعة السياق، يمكن أن ينتج صورة مضادة للأسطورة، لكنها لا تكون بالضرورة أقرب إلى الحقيقة. إذ أن الانتقال من تمجيد أحادي إلى إدانة كلية لا يُنتج معرفة، بل يستبدل سردية مغلقة بأخرى معاكسة، لا تقل عنها تبسيطاً..!
في هذا النوع من الجدل، يتحول التوثيق إلى أداة هدم رمزي أكثر منه أداة تفسير. فبدل أن يكشف تعقيد اللحظة التاريخية، يُسقط الرمز كاملاً، وكأن البطولة لا تحتمل التناقض، ولا تسمح بالاجتماع بين السياسة والعنف والتحرير في آن واحد. وهنا يُحاكم الماضي بمعايير الحاضر، وتُسقط مفاهيم الدولة الحديثة وحقوق الأقليات على عصور كان منطقها صراع وجودي مفتوح، لا يعرف التوازنات التي نطالب بها اليوم..!
ومع ذلك، لا يمكن اختزال تجربة يوسف زيدان في بعدها الاستفزازي فقط. فأهمية هذا الجدل تكمن في أنه أعاد التذكير بحقيقة غالباً ما تُنسى. فالتاريخ ليس نصاً مقدساً، ولا كتب المناقب وحدها مصادره، والتوثيق ذاته خاضع للسلطة، وللمنتصر، وللمذهب، وللظرف السياسي الذي كُتب فيه. غير أن الخطورة تظهر حين لا يمتلك الجمهور العام أدوات التمييز بين النقد الأكاديمي المنضبط، وبين السردية المؤدلجة، فيتأرجح بين فقدان الثقة في التاريخ كله، أو الاحتماء مجدداً بالتقديس الأعمى..!
صلاح الدين في هذا السياق، يصبح مثالاً كلاسيكياً على المأزق . فالتوثيق الناقص يصنع بطلًا أسطورياً والتوثيق الانتقائي قد يصنع شيطاناً متخيّلاً، بينما الحقيقة التاريخية غالباً ما تقيم في المنطقة الرمادية بينهما. وهذه المنطقة بما تحمله من تعقيد وتناقض، هي ما يفقده التاريخ حين يُختزل في معركة رمزية لا تهتم بالفهم بقدر ما تهتم بالصدمة..!
وهنا تلتقي معركة الذاكرة القديمة مع معارك التوثيق في الحروب المعاصرة. فكما يمكن لأرشيف منحاز أن يصنع رمزاً نقياً أو مداناً بالكامل، يمكن لتوثيق ناقص أو مُسيَّس اليوم أن يعيد إنتاج الجريمة في المستقبل، أو أن يقلب مواقع الضحية والجلاد. ولذلك لا تتعلق خطورة التوثيق بما يُقال عن الماضي فحسب، بل بما سيُقال غداً عن الحاضر، حين يُترك الأرشيف لأقلام المنتصرين، أو لعدسات الجناة، أو لانتقائية تكتب التاريخ كما تشتهي، وليس كما وقع!.
munaabuzaid2@gmail.com






